الصفحة 15 من 30

ومثال هذا: قولُ بعضِ الجهلةِ (إن تحريمَ الخمر معلومٌ من الدين بالضرورة) وهذا حقٌّ، ثمَّ قولُهم (والنبيذُ خمرٌ) وهذا حقٌّ نقطع به، ثم قولُهم (إنَّ الحنفيةَ قد استحلوا المعلوم من الدين بالضرورة؛ ففي مذهبهم كفرٌ) ! وهذا جهلٌ وباطلٌ.

ومثلُه: إيماءُ عبدِ المحسنِ العُبَيكانِ إلى كفرِ مجاهدي القاعدةِ؛ لقتلِهم -مستحلين- مهندسَ الأباتشي الأمريكيِّ، وهو عندَه معاهد، وحرمةُ المعاهدِ مِنَ المَعلومِ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورةِ يَكفُرُ مُستَحِلُّ قتلِه. وشتَّان بين استحلالِ قتلِ المعاهدين، واستحلالِ قتلِ المعيَّنِ مِنهم لشبهةِ عدمِ العهدِ، لو سلمنا له بأنَّ ذاك المحاربَ معاهدٌ، وأنَّى.

وانظرْ كيف استحلَّت الخوارجُ دماءَ المسلمينَ وأموالَهم، وأجمعَت الأمةُ على أنَّ تأويلَهم ليس بمسوِّغٍ لقولِهم وأنَّ قولَهم بدعةٌ، لكن لم يُكفرهم الصحابةُ والمحقِّقون مع أنَّ (حرمةَ المسلم معلومةٌ من الدين بالضرورةِ) ؛ لأنَّ نزاعَهم ليس في عَين حرمةِ المسلم، بل في إسلامِ مَن كفَّرُوهم مِن المسلمين، وهو ما تَتَرَتَّبُ عليه الحرمةُ؛ فلم يكفرهم الصحابةُ والمحققون - مع أنَّ إسلامَ مَن كفَّرَ الخوارجُ مقطوعٌ به- لمَّا كان نزاعُهم لا في عين الأصلِ الكليِّ المعلومِ مِنَ الدينِ بالضرورةِ، لكن في تحقُّقِ موجِبِ ذلك الأصل في الأفراد، وكان نزاعُهم في تحقُّقِه بتأويلٍ وشبهةٍ، ولم يكن جحودًا أو عِنادًا، قال ابنُ عابدين في [حاشيته 4/ 263] فيمَن يَكفرُ بالاستحلالِ: (مَن يستحلُّ دماءَ المسلمين وأموالَهم ونحو ذلك مِمَّا كَانَ قَطْعِيَّ اَلتَّحْرِيْمِ، وَلَمْ يَبْنِهِ عَلَى دليلٍ كما بناه الخوارجُ -كما مَرَّ-؛ لأنَّه إذا بناه على تأويلِ دليلٍ مِن كِتابٍ أو سُنَّةٍ؛ كان في زعمِه اتِّباعَ الشَّرعِ لا مُعارضتَه ومنابذتَه، بخلاف غيره) .

ومثلُه: أنَّه لم يكفِّرِ العلماءُ وطلبةُ العلمِ الذين زعموا أنَّ الكافرَ الداخلَ إلى أرضِ المسلمينَ بتأشيرةٍ مِن الحاكمِ الكافرِ؛ معاهَدٌ أو مستأمَنٌ أو له شُبهةُ أمانٍ؛ لم يكفروا طوائفَ المجاهدين الذين استحلُّوا قتلَ هؤلاءِ؛ لَمَّا لم يكن هذا مِن بابِ استحلالِ قَتلِ المُعاهد بل هُوَ مِن بابِ النِّزاع في دخولِ هؤلاء في مُسَمَّى (المعاهد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت