الصفحة 16 من 30

والمقصودُ أنَّ القاعدةَ الكُلِّيَّةَ قد تكون معلومةً من الدين بالضرورةِ؛ ثم يكون إلحاق أفرادها بها ضروريًّا أو نظريًّا، ونظريُّه يكون مجمَعًا عليه، ويكون قطعيًّا، ويكون اجتهاديًّا لا تثريبَ فيه فكيف بالتكفير؟ وجعلُه كلِّه بمثابةٍ واحدةٍ مِن أعظمِ الضَّلالِ.

ومِن هذا ما يقعُ في تَكفيرِ المعيَّنِ إذا وقع في كفرٍ يُعلَم من الدين بالضرورةِ كونُه كفرًا؛ فإنَّه لا يقالُ -بإطلاقٍ- إنَّ مَن توقَّف في تكفيرِه فهو كافرٌ كما تقولُ الخوارجُ المعاصرةُ، بل السُّنَّةُ أنَّ مَن توقَّفَ في تكفيرِ هذا لا يَكفُرُ إن كان لشُبهةِ وجودِ مانعٍ ونحوها؛ وإن كانَ -الواقعُ في الكفرِ- في نفسِ الأمرِ كافرًا، كما تتوقفُ العامَّةُ -أكثرُها- وكثيرٌ مِن طلبةِ العِلمِ في تكفيرِ المقطوعِ عِندنا بكفرِه مِن الطواغيتِ المتسلطةِ على بلادِ المسلمينَ، مع وقوعِ بعضِهم فيما كونُه كفرًا معلومٌ مِن الدين بالضرورةِ، ووقوعِ سائرِهم فيما كونُه كفرًا لا تجهلُه الخاصةُ، وفيما كونُه كفرًا محلُّ إجماعٍ صحيحٍ؛ بشبهةِ أنَّ ثمَّ مانعًا مِن تكفيرِ أولئك الطواغيتِ، ومِنهم مَن ينازعُ في كونِ بعضِ المكفِّراتِ المُجمَعِ عليها مكفراتٍ؛ لشبهةٍ، كمظاهرةِ الكفارِ على المسلمين، والحكمِ بالقوانينِ المضادَّةِ للشرعِ بلا استحلالٍ، ولم يكفِّرْ هؤلاءِ بإطلاقٍ أحدٌ على السُّنَّةِ.

وانظر في فتوى الشيخ (أبي عبد الرحمن عطية الله) فيمَن لم يكفِّر القذافي -وهو أكفرُ أولئك الطواغيت وأظْهَرُهم كفرًا- وكيف قيَّد تكفيرَه لمن لم يكفِّر القذافي بقيودٍ ثِقالٍ؛ تَعْرِفِ الفرقَ بين منهج المجاهدين السنيِّ في التكفير، ومنهجِ الجهلةِ البِدعيِّ فيه.

هذا كلُّه يقالُ تنزُّلًا بالتسليم بصحةِ ما ادَّعى هذا ضروريتَه؛ لنقاشِ هذه الدعوى، وبيان وجوه الخطأِ في عدِّ ما ليس بضروريٍّ من الدينِ ضروريًّا، وبيانِ أنَّ أبا خرافةَ قد بَعُدَ مذهبُه حتَّى كفَّرَ بعينِ ما تُكفِّرُ به الخوارج.

وأمَّا كونُه مِن الدينِ أو لا؛ فقد تقدَّم الإشارةُ إلى كونِه ليس مِنَ الدينِ أصلًا، ولم يقل به منسوبٌ إلى العِلمِ، وليس عليه دليلٌ مِن كتابٍ أو سنةٍ إلا كما تستدلُّ الخوارجُ والمعتزلةُ لبِدَعِها بالشُّبُهاتِ؛ وتعدُّها من الضرورياتِ!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت