الصفحة 17 من 30

قال شيخ الإسلام: (ولكنَّ مِن شأنِ أهلِ البِدَعِ أنَّهم يَبتَدِعُون أقوالًا يَجعَلُونَها واجبةً في الدِّينِ، بل يَجعَلُونَها مِنَ الإيمانِ الذِّي لا بُدَّ مِنه، ويُكَفِّرُون مَن خالَفَهم فيها، ويَستَحِلُّون دَمَه؛ كفِعْلِ الخوارجِ والجهميةِ والرافضةِ والمعتزلةِ وغيرِهم. وأهلُ السُّنَّةِ لا يَبتَدِعُون قَولًا، ولا يُكَفِّرُون مَن اجتَهَدَ فأخْطَأَ، وإن كان مخالِفًا لَهُم مسْتَحِلاًّ لدِمائِهِم) [مجموع الفتاوى 19/ 212] .

فإنَّهما ظُلمتان: ادِّعاءُ أنَّه مِنَ الدِّينِ، ثُمَّ ادِّعاءُ أنَّه ضروريٌّ؛ وابتداعُ المقالاتِ ثمَّ جعلُها من المعلومِ من الدينِ بالضرورةِ مِن منهجِ أهلِ البِدَعِ، وطريقتُهم في هذا معروفةٌ؛ كما قال شيخُ الإسلامِ، وابنُ الوزير في إيثار الحق، وغيرهما من أهل العلم؛ فهم يُوَسِّعون مفهومَ أصلِ الإيمانِ الذي يجبُ على كلِّ مكلَّفٍ ويكفرُ تاركُه ولو لجهلٍ وتأوُّلٍ؛ ليشملَ ما لا تعلمُه إلا الخاصة، وما لا يُعلَمُ إلا بنظرٍ واستدلال، وما نازَعَ فيه بعضُ أهلِ القبلةِ، وما اختلفَ فيه السَّلَفُ، وما هو بِدعةٌ وضَلالةٌ؛ يُلزِمون الناسَ به، ويعدُّونَ مخالفَهم فيه لا يَعرِفُ التَّوحيدَ ولا شمَّه! وما نفع المعتزلةَ أن سمَّت تعطيلَها توحيدًا، ولا يَنفعُ هؤلاء أن يُسمُّوا ضلالَهم إيمانًا وتوحيدًا.

وتأمَّل ما يلزمُهم -وإن كابروا- مِن تكفيرٍ لسوادِ الأمَّةِ وعلمائها ومجاهديها، ما أشبهَهم فيه بسائرِ المبتدعةِ! وفي هؤلاء قال السمعانيُّ رحمه الله: (ومِن قبيحِ ما يَلزَمُهم في اعتقادِهم؛ أنَّا إذا بَنَينا الحقَّ على ما قالوا، وأوجبْنا طلبَ الدينِ بالطريقِ الذي ذَكَرُوه؛ وَجَبَ مِن ذلك تكفيرُ العوامِّ بأجمعِهم؛ لأنَّهم لا يَعرِفُون إلا الاتِّباعَ المُجَرَّدَ ...

وإنَّما غايةُ توحيدِهم التزامُ ما وَجَدُوا عَلَيه سَلَفَهُم وأئِمَّتَهم في عقائدِ الدينِ، والعَضُّ عَلَيها بالنواجِذِ، والمُواظَبةُ على وظائفِ العباداتِ، ومُلازمةُ الأذكارِ بقلوبٍ سليمةٍ طاهرةٍ عَنِ الشُّبهاتِ والشُّكُوكِ، تَراهُم لا يَحيدُون عمَّا اعتقَدُوه وإن قُطِّعُوا إربًا إربًا، فهنيئًا لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كفَّرُوا هؤلاءِ الناسِ -وهم السَّوادُ الأعظمُ وجُمهورُ الأمَّةِ- فما هذا إلا طيُّ بساطِ الإسلامِ، وهدمُ منارِ الدِّينِ، وأركانِ الشريعةِ، وأعلامِ الإسلامِ، وإلحاقُ هذه الدارِ -أعني دارَ الإسلامِ- بدارِ الكُفرِ، وجَعْلُ أهليهِما بمنزلةٍ واحدةٍ، ومَتَى يُوجَدُ في الأُلوفِ مِن المسلمين على الشَّرطِ الذي يُراعُونَه لتَصحيحِ معرفةِ اللهِ تعالى؟ أوَ لا يِجِدُ المُسلمُ أَلَمَ هذه المقالةِ القبيحةِ الشَّنيعةِ في قلبِه؟ بل لو تقطَّعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت