حَسَراتٍ مِن عَظيمِ ما اختَرَعُوه في الدِّينِ ومَوَّهُوه عَلَى الناسِ؛ كان جديرًا بذلك. وإن قالوا: إنَّا لا نُكَفِّرُ العوامَّ؛ فقد ناقضُوا أصولَهم حينَ أثبتُوا حقيقةَ المعرفةِ والإيمانِ بغيرِ طريقِها على أصولِهم ...
واللهُ يَكفِي أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ شرَّهُم، ويَرُدُّ كَيدَهُم في نحْرِهِم، ويُلْحِقُ بِهِم عاقبةَ مَكرِهِم، بقُدرتِه وعظيمِ سطوتِه) [الانتصار لأصحاب الحديث ص73 - 74] .
ومِمَّا يَظهَرُ لك به -مع تهلهل منطقِ (المذكورِ) - جُرأتُه على القولِ على اللهِ بلا عِلمٍ، تَكرارُ تكفيرِه للمسلمينَ مِن العلماءِ وطلبةِ العِلمِ والدعاةِ بمكفِّرٍ ضلَّتْ عَنه أمَّةُ الإسلامِ وهُدِيَ إليهِ هو، أعني دعواه (أنَّهم يُعطون الشرعيةَ للعلمانية) ، وإنَّك تنظر في هذا الوصفِ لتعرفَ حدَّه وضابطَه ومَن يدخُلُ فيه؛ فلا تفلحُ، وليس يُكفِّرُ بمثلِ هذه الأوصافِ إلا مَن عظمَ جهلُه، وأفنَ عقلُه، ورقَّ دينُه؛ حتى كان جريئًا على أحكامِ الشريعةِ، وعلى أعراضِ المسلمين، فالتكفيرُ لا يكونُ إلا بأوصافٍ دقيقةٍ دلَّ الدليلُ الشرعيُّ على أنَّها مكفِّرةٌ، غيرَ أنَّ سعةَ مدلولِ هذه العبارةِ وإجمالَه ييسِّرُ له مرادَه مِن تكفيرٍ للمسلمينَ، لأنَّها مما تستقبحُه نفسُ المسلمِ، وقد لا يَتَنَبَّه لإجمالِها، فيدفعُ بها (المذكورُ) للتهويلِ والتَّضليلِ، وهذا -كذلك الماضي- سبيلٌ تسلكُه المبتدعةُ أيضًا؛ فكما أنَّ (للمذكورِ) (إعطاء الشرعية للعلمانية) ، فللجهميةِ (الأعراضُ والأغراضُ والأبعاضُ والحوادثُ والجسمُ) وغيرها مما يحتملُ مِن حيث المعنى حقًّا وباطلًا، ونحن نستنُّ بما في الكتاب والسنةِ مما عمل به أسلافُنا أهلُ السنةِ مع أسلافِه، فننظرُ هنا نظرين:
الأول: في المعاني التي تحتملها هذه العبارة، وما يترتب على كلِّ مَعنى؛ مِن حُكمٍ بإيمانٍ وكُفرٍ.
الثاني: في صحةِ نسبتِها لمَن كفَّرَهم بها. وننتقي أمثلةً تعتبر بها؛ فإنَّ المرادَ كشفُ قدرِ (المذكورِ) في العِلمِ وزَيغِه في الطريقةِ.
أمَّا الأولُ: فإنَّ المذكورَ قد التزم بمذهبِه (الخُراعيِّ) فيه، ولم يَثبُتْ على معنىً معيَّن، وهذا -كما أسلفتُ- مِن بابِ تيسيرِ التكفيرِ. ولعلها جاءت في ذهنه هكذا: التَّكفيرُ دِينًا،