تنفعُ -في الظاهر- مَن لم يكفِّرْه؛ فلا يَجُوزُ الإقدام على تكفيرِ هذا، إلا أن يظهر لعالِمٍ، متمكِّنٍ، متجرِّدٍ مِن الهوى والخصومةِ، عارفٍ بحالِه، بقرائنَ ظاهرةٍ يُعمَلُ بمثلِها؛ أنَّه لم يكفِّرْه ردًّا لحكمِ اللهِ أو تكذيبًا له، لا تأوُّلًا للأدلةِ والقواعِدِ الشرعيةِ، وفي مثلِ مسألتِنا هذه: احتمالُ التأويلِ في عدمِ تكفيرِ أولئك الطواغيت قويٌّ في مستورِ الحالِ من المسلمين، مِن جهةِ حُسنِ القصدِ وطلبِ حكمِ الشرعِ، ويجبُ العملُ به، ولا يغلبُ هذا الاحتمالَ غيرُه إلا بقرينةٍ بالشروطِ التي ذكرتُ، وأمَّا إذا كان المنظورُ في أمرِه مِن أهلِ الديانةِ مِن طلبةِ العِلمِ وأهلِ الدعوةِ؛ فإنَّ أمرَه أعظم، وتكفيرَه -هكذا- أقبح، ويُحتاطُ في شأنِ مثلِه ما لا يُحتاطُ في شأنِ غيرِه، وقد سُئل شيخ الإسلام (في رجلٍ مِن أهلِ العِلمِ شَتَمه شريفٌ؛ وقال له: يا جاهل! فقال هو للشريفِ: الجاهلُ جَدُّك، ولم يعلم أنَّه شريفٌ، فقال له الشريف: كَفَرتَ؛ لأنك شَتمتَ جَدِّي رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... ) فانظر في جوابِ الشَّيخِ وتدبَّرْه واعمل بما شئتَ: بعلمٍ أو خُراع، قال الشيخ:(لا يَحِلُّ تكفيرُ المسلمِ بمِثلِ ذلك، ومَن عُرِفَ إيمانُه لا يَقصِد بمثل هذا اللفظ لرسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمن ادَّعى على معروفٍ بالخير والدين أنه قصدَ بذلك رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنَّه يُعزَّر هذا المفتري على أهل الخير والدين ...
وسواء كان المتكلم بهذا يعلم أن المخاطبَ شريفٌ أو لم يكن يعلم؛ لا يُحمَل ذلك على مرادِه النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلا أن تكون هناك قرينة تدلُّ على ذلك، مثل أن يكون القائل معروفًا بالنفاق والاستهزاءِ بالرسالةِ والقرآنِ ودينِ الإسلام ونحو ذلك، فمتى ظهرتْ هذه الكلمة مِمَّن هو معروف بالنفاق كان ذلك قرينةً تُقَوِّي إرادتَه النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيُحبَس -حينئذٍ- المتَّهَمُ، ويُكشَف عن بقية أحوالِه، ويُعاقَب إما بالقتل وإما بدونه، لئلاّ يجترئ أهل النفاق والزندقة على انتهاكِ حرمةِ الرسالةِ) [جامع المسائل 3/ 393] .
وانظر تَكرارًا في فتوى الشيخ عطية الله المذكورة؛ تعلمِ الفرقَ بين العِلمِ والجهلِ، وسلِ اللهَ العِلمَ النافعَ.