والحال الثانية: أن يكون ثَمَّ مانعٌ مِن موانعِ التكفير، أو يكون في تكفيرِه مفسدة؛ فالشَّأنُ إذًا: أنَّه كافر حقيقةً، نعتقدُ كفرَه، ولكن لا نحكمُ به! قال أبو خرافةَ: فإنَّ الحقائقَ لا تتغيَّرُ بوجودِ مانعٍ أو لمصلحةٍ، لكن الأحكامَ تتغيَّر؛ فمَن وقع في كفرٍ فهو كافرٌ حقيقةً وحُكمًا، وإن كان ثمَّ مانعٌ، أو مصلحةٌ؛ فهو كافرٌ لا نحكم بكفرِه، لكن نعتقدُه! (هكذا واللهِ قرَّرَ مِرارًا! وهو يجعلُ نفسَه بهذه القواعدِ ضُحكةً لمَن عِندَه شيءٌ مِن العِلم؛ فإنَّها هذرٌ لا قيمةَ له) .
هذا محتملٌ؛ لكننا لا نبغي على (المذكور) ، والأظهرُ أنَّه لا يكفِّر -الآنَ- المجاهدين وإن لزِمَه تكفيرُهم؛ غيرَ أنَّه قال محقِّقو (المذهب الخُراعيِّ) بأمرٍ ثالثٍ يُبطلُ اللزومَ: وهو أنَّ التكفيرَ بإعطاء الشرعية للعلمانية يتمدَّدُ ويتقلَّصُ ليُكفِّرُوا به مَن شاؤوا ويتهرَّبوا مِن تكفيرِ مَن هابُوا.
هذا لأنَّ الشيخَ أيمن يَعلمُ بما عِندَ الإخوانِ مِن مخالفاتٍ تجعلهم علمانيين عِند (المذكورِ) كما تقدَّم النقلُ عَنه، ثم هو لا يُكفِّرُهم، ويزيدُ على هذا؛ فيثني عليهم وعلى جهودِهم ويعترفُ بفضلِهم، ويعارضُ مَن يسوِّي حماس بفتح العلمانيةِ؛ فهو بهذا يعطي العلمانيةَ الشرعيةَ، لكن تنبَّه؛ فإنَّه لا يَكفرُ لقاعدةِ التمدُّدِ والتقلُّصِ، ويحتمل أنْ نعتقدَ كفرَه -على المذهب الخُراعيِّ- لكن لا نحكم به؛ للمصلحةِ!
المثال الثاني: وكنتُ أريد أن أجعلَه في عُلماءِ نجدٍ -رحمهم الله- مِمَّن كان مع عبدِ العزيزِ بنِ سعودٍ عميلِ بريطانيا، وكان مِنهم: الشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، وغيرهم من الأعلام، كنتُ أريد أن ألزمَه بوصفِهم بأنَّهم علماءُ سلطةٍ، وأنَّهم يُعطون الشرعية للعلمانية، وبتكفيرِهم بذلك، غيرَ أنَّني وجدتُه يصرِّحُ بكونِهم علماءَ سلطةٍ وأنَّهم يُعطون الشرعيةَ للعلمانيةِ!
فذهبتُ إلى مَن تجِدُ في كلامِ (المذكور) ثناءً عليه وترَحُّمًا، انظر مثلًا في الشيخِ أحمد شاكر رحمه الله، فقد كان الشيخُ يكفِّرُ مَن يحكمُ بالقوانينِ الوضعيةِ، وفتاواه في هذا كثيرةٌ جِدًّا، ويكفِّرُ مَن أعانَ الكفَّارَ مِن الإنجليزِ بشيءٍ، ولم تكن العامَّةُ - فكيف بالشيخ- تجهل أنَّ مصرَ كانَت تُحكَمُ في عصرِ فاروق وأبيه وأسلافِهم بالدساتيرِ الوضعيةِ، وكان في قوانينِها