فهرس الكتاب
الظاهرةِ ما هو كفرٌ، وإن وَقَع مِنه ما نعدُّه مداهنةً قد يكونُ بها في الباطنِ فاسقًا أو لا، لكنَّ ظاهرَه أنَّه فيها متأوِّلٌ لا يَفسُق، يتَأَوَّلُ فِعلَه أنَّه مداراةٌ لتحقيقِ المصالِحِ الدِّينيةِ للدَّعوةِ، وأمرُه إلى الله، ونحن ننكر عليه بعضَ هذا ونعذره في بعضِه، ونحذِّرُه مِن مآلاتِ توسُّعِهِ فيه وأنَّه هو ما فيه فسادُ لُبِّ الدَّعوةِ لا تركُه.
والمقصود: أنَّ مَن كفَّرَه أو ظَهَرَ له فسقُه بأفعالِه؛ بشيءٍ باطنٍ يعلمُه ولا يعلمُه غيرُه؛ فليُبرِزْه، وإلا فظاهرِه أنَّه قولٌ مُنكَرٌ غيرُ سائغٍ، وأمَّا تكفيرُه بطريقةِ المذكورِ فبدعةٌ ولا رَيبَ.
وأمَّا (التجاسُرُ على تكفيرِ مَن ظاهرُه الإسلامُ، مِن غَيرِ مُستَنَدٍ شرعيٍّ، ولا بُرهانٍ مَرضِيٍّ، [فـ] ـيُخالِفُ ما عَلَيهِ أئمَّةُ العِلمِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وهذه الطريقةُ هي طريقةُ أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ، ومَن عُدِمَ الخشيةَ والتَّقْوَى فيما يَصدُرُ عَنه مِن الأقوالِ والأفعالِ) [قاله الشيخ عبد اللطيف في الدرر 10/ 423، والفاء زدتُها للجوابِ] .
ولا يَجوزُ أن يُقالَ إنَّ مَن أكفرَ مُسلِمًا وأخطأ باجتهادِه فهو معذورٌ مطلقًا، فالعذرُ في هذا كالعذرِ في سائرِ الاجتهاداتِ الدينيةِ، يُشترطُ له الأهليةُ للنظرِ والاجتهادِ، ثمَّ بذلُ الوُسعِ فيه وتحرِّي حقائقِه الشَّرعيةِ والحالِيَّةِ، والتجردُ مِن الأهواءِ؛ ليكونَ على الطَّريقةِ السُّنَّيَّةِ؛ وإلا فسقَ المخطئُ أو أثِمَ دونَ ذلك، وقد يكون به مبتدعًا، وقد قال الشيخ عبد اللطيف: (وأمَّا مَن كفَّرَ مَن ليس مِن أهلِ الكُفرِ لكنَّه مُتَأَوِّلٌ يَسُوغُ تَأويلُه؛ فَهُوَ أيضًا مِنَ الأئمَّةِ المرضيينَ إذا تَمَّتْ لَهُ شُرُوطُ الإمامةِ، وخطؤُه مَغفورٌ لَه بِنَصِّ الحدِيثِ، وأمَّا مَن يُكَفِّرُ لِهَوى، أو عَصَبِيَّةٍ، أو لمُخالَفةٍ في المذاهِبِ، أو لأنَّه يَرَى رأيَ الخوارِجِ؛ فهو فاسق) [الدرر 12/ 265] ، فمَن أقدَم على التَّكفيرِ ببضاعةٍ كما رأيتَ؛ أثِمَ بنفسِ إقدامِه لا بأثرِه، فلا يتخلَّفُ عَنه الإثمُ بأن وافَقَ الصَّوابَ برميةٍ مِن غيرِ رامٍ، أشبَهَ المجنونَ لو قال كُفرًا لكن بعَكسِه. وقال الإمامُ الشافعيُّ: (ومَن تكلَّف ما جهِل وما لم تُثبِتْه معرفتُه كانت موافقتُه للصوابِ -إن وافقه مِن حيثُ لا يعرِفُه- غيرَ محمودةٍ، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذورٍ، إذا ما نَطَقَ فيما لا يُحيطُ عِلمُه بالفَرْقِ بين الخطأِ والصوابِ فيه) [الرسالة ص53] .