الصفحة 27 من 30

وأمَّا الاستدلالُ لذلك بقولِ عمرَ عَن حاطبٍ -رضي الله عنهما- إنَّه قد نافَقَ، فإنَّه جنايةٌ في الدِّينِ مستقلةٌ، لتضمُّنِه لتكذيبِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وما فيه مِن طَعنٍ في الفاروقِ وسائرِ الصحابةِ؛ ولا يَشُكُّ صاحبُ سنَّةٍ عِندَه ما عِندَ أوساطِ العامَّةِ مِن عِلمٍ؛ أنَّ الفاروقَ -رضي الله عنه- مِن أعلمِ الصحابةِ وليسَ بجاهلٍ، وإذا لم يكن فاروقُ الأمَّةِ وخليفةُ خليفةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مؤهَّلًا للاجتهادِ فمَن لهذا المقام؟

فانظُرْ كيف يُستَدَلُّ لهذه المقالاتِ الرديئةِ! تَعرفْ بُعدَها وبُعدَ أهلِها عَن العِلمِ، وانجُ بدينِك مِن هذه المهازِل، واسمُ بنفسِك عَن هذه المنازِلِ.

وإذا تقرَّرَ عِندَكَ أنَّ الفاروقَ أهلٌ للاجتهادِ في الدِّينِ، فاقتدِ به؛ في رَدِّه العِلمَ إلى مَن هو أعلمُ مِنه، وكيف كانَت سيرَتُه في الاجتهادِ بعدُ، في هَيبتِه وتحرُّزِه ومشاورتِه للعلماءِ مع عُلُوِّ مكانِه مِنهم، وهكذا سُنَّةُ العُلماءِ.

وتأمَّلْ: فإنَّ قَدرَ العِلمِ، وخطورةَ الفتوى: مِن أجلِّ ما يَعلمه العالمُ ويعمل بمقتضاه، فيَكثُرُ أن يُمسِكَ، ومِن أخطرِ ما يجهلُه الجاهلُ، وأنتَ راءٍ عمَلَه بمقتضى جهلِه؛ في أيِّ المهالِكِ يوقِعُه، والجهلُ كلُّ الجهلِ: أن يُظَنَّ المُمسِكُ هيبةً للعِلمِ جاهِلًا، والجريءُ فيه عالِمًا:

وقد يُظَنُّ شُجاعًا مَن بِهِ خَرَقٌ * وَقَد يُظَنٌّ جَبانًا مَن بِهِ زمَعُ

وفي هذا المعنى عن أبي الدرداء: (لن تفقهَ كلَّ الفقهِ حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة) قال حماد بن زيد لأيوب: (أهو أن يرى له وجوهًا فيهاب الإقدام عليه؟) قال: (هذا هو، هذا هو) [انظر بعض الآثار عن السلف في هذا، في جامع بيان العلم وفضله 2/ 26 وما بعدها] .

وأمَّا (المذكورُ) وأمثالُه، فلا يحلُّ لهم الكلامُ في دينِ الله، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُمَكِّنَهم مِن ذلك؛ لما في كلامِهم مِن جهلٍ عظيمٍ، ولعبٍ بأحكامِ الشريعةِ، وافتراءٍ على أعراضِ المسلمين؛ بالإثمِ والعدوان، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، وقال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت