الصفحة 29 من 30

على غيرِ الوجهِ المحمودِ المرضيِّ، لكنَّ هذا دون ما كان مِن قبلُ بكثيرٍ، وهذا مِن توفيقِ اللهِ للعاملين لدينِه، وهو ظاهرٌ جِدًّا لمَن تأمَّلَ ونظر بعقلٍ وإنصافٍ.

والثاني: نشر الغلو في طوائف المجاهدين في المحالِّ المذكورةِ؛ لتنقلبَ سيوفُهم وتعملَ في الأُمَّةِ، بعد أن أوشك نصرُ اللهِ للمجاهدين أن يقرَّ أعيُنَ المسلمين، وبعد أن رأوا حسنَ إدارة المجاهدين لكثيرٍ مِن أعمالِهم العسكريةِ والدعويةِ؛ فرأى عَدُوُّهُهم أنَّ هذا يَذهبُ إلى فَشَلٍ، بصرفِهم عَن منهجِهم الوسطِ، وما اتَّسَمَ به مِن جْمعٍ للرحمةِ والإعذارِ والحِرصِ على الجماعةِ، مع الشِّدَّةِ في حَملِه والعَضِّ عليه -ثابتين- بالنَّواجِذِ.

والثالث: تهوينُ أمرِ علماء المجاهدين وقادتِهم في أعينِ الناسِ، والطعنُ فيهم بدعوى ضعفِ التحقيقِ أو قلةِ البصيرةِ، ليسهُلَ إثارةُ الخلافِ عليهم، وصرفُ الناسِ عَنهم، وأخُصُّ مِن هؤلاء مَن كان له دورٌ في ضبطِ الجهادِ شرعيًّا ومنهجيًّا، وهذا الأمرُ هو السَّبيلُ إلى ما سَبَقَ، فإنَّه لا سبيلَ للعَدُوِّ الكافرِ إلى ما يريدُ مِن تحريفٍ إلا بصرفِ الأُمَّةِ عَن علمائها وقادتِها إلى جُهَّالِها وأصاغرِها؛ فإنَّه ما رَأَسَ جاهلٌ إلا ضلَّ وأضلَّ، وهَلَكَ وأهلَكَ، والنَّصرُ الذي كان بعملِ الكِبارِ السِّنِينَ الطِّوالَ، يُذهِبُه تَرَأُّسُ الجُهَّالِ ولو لساعةٍ، وفي الصحيحِ مِن حديث النعمان عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ القائمِ عَلَى حُدُودِ الله والواقِعِ فِيها؛ كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفينةٍ؛ فأصابَ بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا استَقَوا مِن الماءِ؛ مَرُّوا عَلَى مَن فوقَهم فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا؛ فإنْ يَترُكُوهُم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإن أَخَذُوا عَلَى أيدِيهِم؛ نَجَوا، وَنَجَوا جَمِيعًا) ، وإذا كان صاحبُ المنكَرِ -جاهلا أو عامِدًا- يَهلَكُ بفعلِه غيرُه، ولا يَجوزُ تمكينُه مِنه، ولا إقرارُه عَلَيه؛ فكيف باتِّخاذِهِ ربَّانًا يَقُودُ، ورَاسًا يُتَّبَعُ، ودليلًا يُقتَفى؟ فالنَّجاةَ النَّجاةَ؛ والسُّنَّةَ السُّنَّةَ، وليَطلُبْهما العاقِلُ لنفسِه وأمَّتِه؛ بالدرجاتِ الثلاثِ لإنكارِ المُنكَرِ أيِّها استطاع: باليَدِ والسُّلطانِ، أو باللِّسانِ بحكمةٍ وبيانٍ، أو بقلبٍ صادقٍ وشرطُ صِدقِه: عَجزُه عمَّا هو أعلى، وتجنُّبُه للمنكَرِ فلا يُشارِك فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت