ويقال أيضًا:- إن دعاء الولي والاستغاثة به عند قبره ليس من تعظيم الأولياء، بل هو في حقيقته من إيذاء الأولياء، فعباد القبور قد آذوا الأولياء من حيث يظنون أنهم يعظمونهم وبيان ذلك أن يقال:- إن أعظم ما كان يدعو الولي له توحيد الله بالعبادة، أي أنه لا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به ولا يستعاذ ولا يستعان إلا به ولا يذبح إلا له ولا يتوكل إلا عليه ولا يرجى غيره، وهكذا في سائر أنواع العبادات فهذا هو زبدة ما يدعو إليه الأنبياء والأولياء الذين هم في الحقيقة أولياء، فإذا مات الولي وأقبل الناس على قبره يدعونه ويستغيثون به ويطلبون منه المدد والإعانة ويذبحون عند قبره فإن هذا يؤلمه ويعذبه ويؤذيه، والميت يتأذى في قبره بمثل ذلك الذي يفعل عنده، فكما أنه كان يتأذى برؤية ذلك في حياته فكذلك يتأذى به إذا فعل عند قبره، فقبر الولي الصادق إذا اتخذه الناس وثنًا يعبد من دون الله تعالى فإن الولي يتأذى بذلك لأنه كان يحرص أشد الحرص على أن لا يعبد إلا الله تعالى، فتدبر هذا الوجه، فإنك إن تدبرته جيدًا تبين لك أن هذا التعظيم للأولياء إنما هو إيذاء لهم وأن دعاءهم والاستغاثة بهم من دون الله تعالى إنما هو ارتكاب لما كانوا ينهون عنه في حياتهم، وأن من يدعونهم معتقدًا أنه يحبهم إنما هو في حقيقته عدو لهم ومنابذ لمحبتهم، لأنه لو كان يحبهم حقيقة لامتثل ما كانوا يأمرون به في حياتهم من التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، وإننا نحن نسطر هذا الكلام لنعوذ بالله تعالى أن يجعل قبورنا أوثانًا تعبد من دونه، ونسأله جل وعلا أن يخرجنا من هذه الدنيا كفافًا عفافًا لا لنا ولا علينا والله ربنا أعلى وأعلم.