الخامس:- أن القرآن الكريم حق كله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فلا اختلاف فيه ولا تناقض ولا اضطراب البتة، ومن القضايا التي فصلها القرآن أنه لا يدعى إلا الله تعالى ولا يستغاث إلا به جل وعلا، قال تعالى صلى الله عليه وسلم وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا صلى الله عليه وسلم وقال تعالى صلى الله عليه وسلم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ صلى الله عليه وسلم والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا لا تكاد تحصر إلا بكلفة، فالقرآن قرر التقرير الكامل وأكد التأكيد الثابت بالأوجه المختلفة أنه لا يدعى إلا الله تعالى وأن دعاء غيره شرك وضلال وخسارة، فكيف يأمر بدعاء غيره وبالاستغاثة بغيره بعد ذلك في موضعٍ آخر؟ هل هذا إلا تناقض واضطراب، فلو كان قوله تعالى صلى الله عليه وسلم وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ صلى الله عليه وسلم يفيد جواز دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل بذواتهم والانطراح عند عتبة قبورهم لكان ذلك مناقضًا للآيات الكثيرة المحرمة والناهية النهي القطعي عن دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بغيره فهذا الفهم من الآية المذكورة يفضي إلى القول بأن القرآن متناقض وفيه اختلاف ويأتيه الباطل والاضطراب، وما كانت نتيجة القول به توصل إلى هذه النتيجة فإنه باطل لا شك في بطلانه، لأن المتقرر عند أهل العلم أن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم، فالقبوريون يفهمون من الآية جواز شيء قد تواترت الأدلة على منعه وتحريمه التحريم الغليظ المؤكد، ففهمهم هذا من الآية المذكورة يلزم منه أن القرآن يخالف بعضه بعضًا ويناقض بعضه بعضًا وناهيك بهذا دليلًا على فساد فهمهم الذي فهموه من هذه الآية فاجتمع في فهمهم هذا مخالفة فهم السلف ومجانبة طريقهم وتحريف النصوص وإخراجها عن مداولاتها الصحيحة والاستدلال بالمتشابه وترك المحكم، وتقديم المحتمل على الواضح ولزوم اللوازم الفاسدة