ومنها:- أن هذا اليأس إنما هو حكاية حالٍ قامت بقلب الشيطان فإنه لما رأى انتشار الإسلام وأن الناس يدخلون في دين الله أفواجًا قام بقلبه اليأس أن يعود الناس إلى عبادته كما كانوا عليه قبل البعثة، وقد تقرر في الأصول أن حكاية الحال لا تفيد العموم أي لا يلزم من يأسه في زمن معين أن يستمر هذا اليأس إلى آخر الدنيا فاستمرار يأسه المذكور في الحديث ليس بلازم فكيف يفهم من الحديث أنه لا يعبد ولن يعبد أبدًا؟.
ومنها:- أن يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب إنما كان ذلك لعلة، وهي أنه رأى انتشار الإسلام وأن الناس يدخلون فيه أفواجًا وأن الناس قد انشرحت صدورهم له، وقد تقرر في الأصول أن العلة إذا زالت زال معلولها، فإذا رأى الشيطان بعد الناس عن الدين وعدم تحكيم الشريعة والإقبال على شهوات الدنيا وملذاتها والرضا بالجهل وترك التفقه والتعلم ومنع العلماء من تعليم الناس والحجر والتضييق عليهم ومحاربة بعضنا بعضًا والتهافت على المناصب ونحو ذلك فلا جرم أن هذا اليأس سيزول لزوال سببه، فيأسه في الحديث إنما كان لسبب فمتى ما زال هذا السبب فسيعود أمله ويزول يأسه، وأضرب لك مثلًا يقرب لك ما أريد فإنه إذا كان معلمك في المادة قاسيًا غليظًا يتوعد بوضع أصعب الأسئلة في الامتحان فلا جرم أنه سيقوم بقلبك شيء من اليأس في النجاح، لكن لو أن معلمك هذا قد نقل قبل وضع الأسئلة وجيء لك بمدرس حليم سهل لين بسيط، فلا شك أن اليأس الذي كنت تحس به سيزول أو سيزول بعضه أو أكثره، فما السبب؟ الجواب:- لزوال سبب اليأس، وهكذا الشيطان فإنه لما رأى الفتوحات وانتشار الإسلام وعظمة العلم وإقبال الناس عليه قام بقلبه اليأس ولكن متى ما رأى ضد ذلك فإنه سيزول هذا اليأس أو بعضه أو أكثره وهذا واضح.