ومنها:- إنه من المعلوم أنه مع شدة عداوة الشيطان لنا وحرصه الكامل على إغوائنا وصدنا عن سبيل الله تعالى وإقسامه على ذلك نعلم جزمًا أن يأسه هذا لن يكون دافعًا له على ترك الإضلال والإغواء, بل إنه سيكون من أقوى الدوافع له ولذريته مع شدة عداوتهم لنا على مضاعفة الجهود وتكريس أقصى المحاولات والسعي الحثيث في الإغواء والإضلال, فلا يمكن أن يرفع الشيطان راية الهزيمة ويتراجع عن ما أقسم عليه, ما دام في الدنيا آدمي, وأضرب لك مثالًا يقرب لك ما أريد وهو أن نقول:- إن المسلم المؤمن المحسن القانت العابد القائم بما أمر الله والمنتهي عن ما نهى الله تعالى لاشك أن هذا المؤمن قد خالط قلب الشيطان شيء من اليأس منه, وأما الكافر المعاند العاتي المتمرد على شريعة الله تعالى, لاشك أن الشيطان في أمنٍ من هذا الرجل فمأمنه من هذا الكافر دفعه إلى عدم الحرص عليه كثيرًا لأن قلبه خرب وماذا يريد الشيطان بالبيت الخرب, وأما الأول فإن يأس الشيطان منه جعله يكر عليه الكرات تلو الكرات ويدبر له المخططات تلو المخططات ويبعث له سراياه, سرية تتبع سرية حتى يغويه ويضله, فانظر كيف كان يأسه دافعًا له على تكثيف الجهد ومضاعفة الغزو وتنويع المؤامرة وتكثير الجند, ففي الحقيقة أن إخبار الأمة بأن الشيطان أيس من أن يعبد يوجب عليها مضاعفة الحرص وإعظام الخوف وشدة الاستمساك بالكتاب والسنة, وهذا وجه مهم جدًا لم أر من نبه عليه إلا قليلًا مع أنه يعكس على القبوريين فهمهم للحديث لأنهم قالوا:- لما أخبرنا الشارع بأنه أي الشيطان قد أيس فلا داعي إذًا إلى الاجتهاد في العمل, فإنهم لو فهموا ذلك من الحديث لما كان صوابًا فكيف يفهمون منه أنه لن يعبد أبدًا وأن الأمة لن يقع فيها الشرك البتة, وبهذا يتبين لك أنه ما فهموا الحديث أصلًا وإنما فسروه على مقتضى شهواتهم وما تهواه نفوسهم.