وتنتظر فرج الذي بيده مفاتيح الفرج وكانت كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر إليه نظر المشفق الواثق بفرج الله تعالى لكنها كانت لا تدري من أين يأتيها الفرج وعلى أي صورة، مع أنها كانت في المرتبة العالية من الوثوق بربها جل وعلا، فسعت سبع مرات وهي تتشوف بريد الفرج فلما أشرفت على المروة في المرة الأخيرة سمعت صوتًا فأيقنت بحصول ما كانت ترجوه من الله تعالى وتيقنت أنه من رسل رب الأرض والماء فقالت:- قد أسمعت، وطلبت منه الغوث إن كان عنده مغاث فإذا هي بالملك يضرب بعقبه الثرى فخرج الماء وجاء الفرج من الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فبان بذلك أن هاجر رضي الله عنها لم تطلب الغوث إلا ممن هو حاضر قادر محسوس ويشبه ذلك رجلًا سقط في حفرة مظلمة ولم يستطع الخروج منها، وطال به الأمر فينما هو كذلك إذ سمع صوتًا من فوق فأيقن أنه الفرج فقال:- أغثي يا عبدالله، وهذا ليس من الشرك في شيء بل هو من الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر بما يقدر عليه وهذا قد قررنا جوازه وعليه قوله تعالى صلى الله عليه وسلم فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فأين هذا من الذي يستغيث بالأموات في تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وهم أموات وجثث هامدة لا حراك بها ولا يقدرون على نفع أنفسهم فضلًا عن نفع غيرهم، وأين هذا من الذين يطلبون المدد والغوث من الأحياء الغائبين وبينهم من المسافات والمفاوز ما تنقطع دونه الإبل فأين هذا من هذا؟ لكنها الأهواء التي تتجارى بأصحابها كما يتجارى الكلب بصاحبه، وخلاصة الجواب الثاني:- أن هذا الحديث ليس له صلة بدعاء الأموات ولا بدعاء الغائبين وإنما هو دليل من أدلة جواز الاستغاثة بالحي الحاضر القادر فهذا ثانيًا ويوضحه الوجه الثالث وهو أن يقال:- بالله عليك هل هاجر رضي الله عنها استغاثت ابتداءً من غير سماع صوت ولا تحققٍ من وجود أحد؟ هل هاجر رضي الله عنها رفعت صوتها