الثاني:- أن كلام الفلاسفة هذا قياس في مصادمة النص المتواتر، وقد تقرر عند علماء الإسلام أن القياس الذي يصادم النص فإنه باطل فاسد الاعتبار، وهذا بالاتفاق في الجملة، ذلك لأن الفلاسفة المتهوكين المغفلين يقولون إن للنفس تأثيرًا قويًا بعد مفارقتها للجسد وأن الميت يستطيع أن يؤثر في الحي الزائر له والواقف بأدبٍ عند قبره، وهذا الكلام معارض ومصادم لنصوص الكتاب والسنة، فإن الدليل قضى بأن الميت لا يسمع دعاء من يدعوه ولو أنه سمعه لما استجاب له، كما قال تعالى صلى الله عليه وسلم إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ صلى الله عليه وسلم وأخبر الدليل بأن الأموات قد انقطعت أعمالهم كما قال صلى الله عليه وسلم (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له ) )"رواه مسلم"فكيف يثبت الشارع أنه بعد موته ينقطع عمله وهؤلاء يقولون:- بل إنه يكون ذا تأثير أقوى مما كان عليه في الحياة؟ إن هي إلا خرافات وخزعبلات ممن لا عقل عندهم ولا نقل، وقد صرح الدليل بأن الدعاء حق محض صرف لله تعالى لا يصرف لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لولي صالح فضلًا عن القبور والأشجار والأحجار كما قال تعالى صلى الله عليه وسلم وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ صلى الله عليه وسلم فأمرنا بدعائه، وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى أي كأنه قال:- اخلصوا الدعاء لي ولا تدعوا غيري، وسمى ذلك الدعاء عبادة فقال صلى الله عليه وسلم عِبَادَتِي صلى الله عليه وسلم وأضافها لنفسه إضافة الاختصاص أي هي خاصة بي فلا تشركوا معي فيها أحدًا، كما قال في الآية الأخرى صلى الله عليه وسلم وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا صلى الله عليه وسلم وأخبر جل وعلا أن من دعا غير الله في أمرٍ لا يقدر عليه إلا هو جل