وأعني بالقاعدة الرابعة أن فعله صلى الله عليه وسلم إن كان بيانًا لمجملٍ قولي فإنه يأخذ حكم هذا القول, فإن كان هذا المجمل القولي يفيد الوجوب فالفعل الذي حصل البيان به واجب كذلك, وإن كان هذا المجمل القولي إنما يفيد الاستحباب فالفعل الذي حصل به البيان يفيد الاستحباب أيضًا, وهذه القواعد الأربع قد شرحناها في كتابنا تحرير القواعد ومجمع الفرائد, فهذا ما يتعلق بقوله وفعله, وأما إقراره فالقاعدة فيه أنه يفيد الجواز ما لم تحفه قرائن ترفعه إلى الاستحباب أو الوجوب, وأما تروكه فالقاعدة فيها ما نحن بصدد شرحه فهذه القاعدة التي نريد شرحها راجعة إلى ما تركه صلى الله عليه وسلم , أي أن تركه يستفاد منه تشريع كما أن أفعاله يستفاد منها تشريع وكل ذلك داخل تحت قوله تعالى صلى الله عليه وسلم لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ صلى الله عليه وسلم فهو الأسوة الحسنة لنا في كل شيء سواءً في أقواله أو أفعاله أو تقريراته أو تروكه, فقوله يؤخذ منه تشريع وفعله يؤخذ منه تشريع وإقراره يؤخذ منه تشريع وتركه يؤخذ منه تشريع, ونحن الآن لا نتكلم عن قوله ولا عن فعله ولا عن إقراره وإنما نتكلم عن تركه, ويستفاد من هذه القاعدة عدة أشياء مهمة لابد من فهمها واحدة بعد واحدة:-
الأمر الأول:- أن تركه صلى الله عليه وسلم يعد بيانًا كفعله وقوله أي كما أن البيان يحصل بالقول والفعل, فكذلك يحصل البيان أيضًا بالترك, فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين لنا شريعتنا بأقواله وأفعاله وإقرارته وكذلك هو المبين لنا بتروكه, فتروكه صلى الله عليه وسلم بيان كما أن قوله وفعله وإقراره بيان, فانتبه لهذا الأمر فإنه مهم جدًا.
الأمر الثاني:- أن تركه صلى الله عليه وسلم للشيء وعدم فعله له إن اقترن بنهي قولي فإن تركه هذا يفيد التحريم, وأما إن كان تركًا مجردًا عن القول ولم يكن معللًا فإنه يفيد كراهة الفعل وهذا الأمر يوضح لك حكم الأشياء التي تركها صلى الله عليه وسلم فإن كانت مقرونة بالنهي القولي فتركه لها يفيد أنها محرمة وإن كان تركه مجردًا عن النهي ولم يعلله بشيء فإنه يفيد الكراهة.