الأمر الثالث:- أن الأفعال التي لم يتوفر سبب فعلها على عهده صلى الله عليه وسلم وفعلها الصحابة بعده كجمع القرآن الكريم وإنشاء دواوين الجند وفتح الربط والمدارس ونحو ذلك لا يكون فعلها معارضًا لهذه القاعدة, ذلك لأن الحاجة إليها في العهد النبوي لم تكن بداعية إليها, فتركه لها ليس تشريعًا وإنما يقال فيها:- لم تكن الحاجة إليها في العهد النبوي موجودة, لكن لما وجدت الحاجة إليها في عهد من بعده جاز لهم فعلها ولا يحتج عليهم محتج بأنه لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا واضح.
الأمر الرابع:- أن ما فعله الخلفاء الراشدون مما له تعلق بأمر التعبد لا يدخل تحت هذه القاعدة أيضًا لأن سنتهم ينبغي الأخذ بها لقوله صلى الله عليه وسلم (( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) )وذلك كالأذان الأول للجمعة فإنه حدث في عهد عثمان صلى الله عليه وسلم فهو داخل تحت هذا النص لأنه ثالث الخلفاء الراشدين بإجماع أهل السنة, فضلًا عن كونه قد اتفقت على جوازه كلمة أهل العلم قاطبة, فدليل الأذان الأول للجمعة الإجماع, وقد تقرر في القواعد أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها والمصير إليها, ودليله أيضًا أنه من سنة عثمان صلى الله عليه وسلم وهو من الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (( وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) ).
الأمر الخامس:- أن هذه القاعدة المباركة تقضي على جميع ما أحدثه أهل الخرافات والبدع على مختلف أشكالها وتنوع صورها وهي مفزع أهل العلم في الرد على كثير من طوائف أهل البدع العملية ولذلك تجدهم في ردهم على أهل البدع يقولون:- هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهذا كثير في أجوبتهم, فهم يستدلون بالترك على عدم الجواز إذ لو كان مشروعًا لفعله مع توفر أسباب فعله فلما لم يفعله مع توفر الأسباب علمنا جزمًا أن المشروع هو الترك. وتتضح عظمة هذه القاعدة بضرب بعض الأمثلة فأقول:-