المسألة الثانية: التحريم الشديد والنهي الأكيد في إطراء النبي صلى الله عليه وسلم الإطراء المفضي إلى وصفه لصفات الألوهية والنهي أيضًا عن اتخاذ قبره عيدًا، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) )والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح، وعن عائشة رضي الله عنها قالت ... (( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا ) )ولمسلم عن جندب ابن عبدالله قال:- سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ يقول (( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) )وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )فإذا كان هذا حال قبره صلى الله عليه وسلم وحال قبور أخوانه من الأنبياء قبله فكيف بقبر غيره ممن هو دونه بمراتب كثيرة, فإذا كان من يتخذ قبور الأنبياء مساجد قد توعد بهذا الوعيد الشديد, فكيف بمن يتخذ قبور غيرهم مساجد لاشك أنه أولى في النهي ويدخل معهم غيرهم في هذا النهي من بابٍ أولى, فهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى, بل إن قوله صلى الله عليه وسلم (( ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ) )نص في ذلك لأن قوله (( القبور ) )جمع دخلت عليه الألف واللام المفيدة للاستغراق وقد تقرر في القواعد أن الألف واللام إذا دخلت على الجمع أفادته العموم, فيدخل فيه جميع القبور, الأنبياء وغيرهم من بابٍ أولى, فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد والنبي يقول (( ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ) )ومن طاف حولها أو ركع عندها أو خصها بالدعاء