فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 78

الانتفاع بالمبيع سمي باطلًا أو فاسدًا؛ ولهذا قالوا: (والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به) أي أنه إذا وجد لا ينفذ، فقد يتعاقد المتعاقدان عقدًا باطلًا ولكنه لا ينفذ، كما لو باع ما لم يوجد فيعد هذا البيع باطل، ولا يمكن تنفيذه , وقوله: (ولا يعتد به)

أي لا يعتبر ولا تترتب عليه آثاره , كذلك أيضا لو باع الخمر فهذا بيع باطل لأن مثل هذا البيع منهي عنه ولا تترتب عليه آثاره.

لكن المصنف نظر في الصحيح والباطل إلى المعاملات والعقود، والواقع أن الصحيح والباطل يكون في المعاملات والعقود ويكون أيضًا في العبادات؛ فلذلك عرفه بعض العلماء بتعريف أجمع من هذا فقالوا:

(الصحيح: ما ترتبت عليه آثاره المقصودة منه عادة، سواءً كان عبادة أو عقدًا) و (الباطل: ما لم تترتب عليه آثاره المقصودة منه عادة سواءً كان عبادة أو عقدًا) .

ملحوظة:

(1) الواجب يختلف عن الفرض عند الحنفية فعندهم (الفرض: هو ما ثبت بطريق قطعي) ... و (الواجب: ما ثبت بطريق ظني) .

كذلك المكروه عندهم نوعان: مكروه كراهة تحريم ومكروه كراهة تنزيه.

(فالمكروه كراهة تنزيه: هو الذي ذكرناه هنا وهو الذي يسميه الجمهور مكروهًا) و (المكروه كراهة تحريم: هو ما نهى عنه الشرع نهيا جازمًا ولكن دليل النهي ظني لم يصل إلى درجة القطع) .

فيقولون مثلا ً: شرب الخمر محرم، ولكن مثلًا أكل ذوات المخلب من السباع أو الطير مكروه كراهة تحريم فيفرقون بين المكروه كراهة تحريم وبين المحرم من حيث قطعية الدليل وظَنّيته.

والمقصود بالقطعية عند الحنفية أنه إذا ثبت الحكم بطريق قطعي سواءً من جهة الدلالة أو من جهة الثبوت يعني إما في القرآن أو في السنة المتواترة أو المشهورة وكانت دلالته قوية واضحة لا لبس فيها ولم يختلف العلماء فيها فإنهم يحملونه على أنه قطعي ويسمونه فرضًا.

ولكن في الحقيقة هذا الخلاف خلاف اصطلاحي، والخلافات الاصطلاحية فائدتها الوحيدة هي أنك إذا أدركت اصطلاح مذهب معين تستطيع أن تفهم كلام أئمة هذا المذهب فعندما تقرأ في كتبهم , فلا تُقوِّلهم ما لم يقولوا؛ لأنك إن لم تفهم اصطلاحهم جَنَيتَ عليهم، انظر مثلًا لو أنك لم تعرف عن اصطلاح الحنفية هذا ثم قرأت في كتبهم ستجد أنهم يقولون: صلاة الوتر واجبة، ثم نقلت هذا الكلام لغيرك ممن لا يعرف مذهبهم وتقول: الحنفية جعلوا الفرائض ست صلوات وليست خمسًا , فتكون قد جنيت عليهم، وتَقوَّلت عليهم ما لم يقولوه؛ لأنهم لم يقولوا إنها فرائض، وإنما هم قالوا الفروض خمسة، لكن هذا واجب والواجب عندهم أقل مرتبة من الفرض.

(2) الإباحة في الحقيقة لا تكليف فيها؛ لأن التكليف يعني الخطاب بأمر أو بنهي , والتكليف هو الإلزام بما فيه كلفة، هذا تعريف التكليف، ولكن ليس المقصود بالكلفة هي المشقة التي تصل إلى حد العنت ولكن فيه شيء من الكلفة , ولا شك أن أعمال الشرع التي أمر بها فيها شيء من الكلفة ولكنها لم تصل (والحمد لله) إلى المشقة التي يمكن أن تقطع الإنسان عن حياته أو تضر بحياته العملية.

ولكن الأصوليين حينما ذكروا الإباحة مع الأحكام التكليفية أرادوا أن تكون القسمة ثنائية فقط، أي أنَّ الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين أحكام وضعية وأحكام غير وضعية، وإلا فلو أرادوا أن تكون القسمة ثلاثية لقالوا: الأحكام تنقسم إلى أحكام تكليفية واختيارية ووضعية.

(3) جمهور العلماء لا يفرقون بين الفاسد والباطل بخلاف الحنفية فإنهم فرقوا بينهم وذكروا فرقًا دقيقًا ومهمًا فقالوا: (الباطل: ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه) و (الفاسد: ما كان مشروعًا من حيث أصله لكن ليس مشروعًا بوصفه) .

مثال الباطل: بيع الخمر.

مثال الفاسد: البيع بالربا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت