فبين أولًا أن الفقه أخص من العلم؛ لأن العلم أعم، فالعلم قد يكون علم فقه أو علم حديث أو علم توحيد أو علم تفسير أو علم نحو أو علم طب أو غير ذلك من العلوم.
ثم قال: في تعريف العلم نفسه: (معرفة المعلوم على ما هو به) يعني أن تعرفه على حقيقته الصحيحة وعلى صورته الصحيحة، وتتصوره وفق ما هو عليه، فلو تصورت الشيء وفق ما هو عليه فالذي حصَّلته يسمى علمًا، يعني إذا اعتقدت وعرفت أن صلاة الفجر مثلًا ركعتان، فما تصورته علم.
وأما الجهل فهو عكسه، فقال الجهل: (تصور الشيء على خلاف ما هو به) كأن تعتقد مثلًا أن صلاة الفجر ثلاث ركعات فرضًا، أو تعتقد مثلًا أن بيع الخمر حلال، فهذا الاعتقاد وهذا الحكم الذي تصورته أنت وظننت أنه مطابق للواقع هذا جهل، تصورك له يسمى جهلًا، التصور والحكم حينما يطابق الواقع يسمى علمًا وحينما يخالف الواقع يسمى جهلًا.
ملحوظة: هناك من العلماء من أعرض عن تعريف العلم وقال العلم لا يمكن أن يحد، ولا يمكن تعريفه.
ثم إن المصنف انتقل بعد هذا ليبين أن العلم أيضًا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول (العلم الضروري) قال هو: (ما لم يقع عن نظر واستدلال) بمعنى أن الإنسان يكون مضطرًا إلى التصديق به، ولا يمكنه إنكاره , وذلك مثل أن تكون مضطر إلى التصديق بأن الذي أمامك هو فلان من الناس فلا يمكنك إنكار ذلك.
أمثلة العلم الضروري: كل ما يدرك بالحواس الخمسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس، فكل ما يدرك بها يسمى علمًا ضروريًا؛ لأنك مضطر إلى التصديق به ولا يمكنك إنكاره.
كذلك من أمثلة العلم الضروري ما يستفاد بالتواتر، أي بالخبر المتواتر بمعنى إخبار جماعة كبيرة من الناس لا يمكن أن يتفقوا على الكذب ويتواطئوا عليه، مثل: أننا نعلم الآن أن هناك مثلًا بلدًا اسمه مكة وهناك بلد اسمه المدينة ويعرف الناس ذلك وهم لم يروا مكة ولا المدينة، فيوقنون بذلك ويقطعون به.
القسم الثاني (العلم الكسبي أو العلم المكتسب) قال هو: (الموقوف على النظر والاستدلال) أي الذي يحتاج إلى نظر وتأمل وإقامة دليل ونظر في الدليل , مثل معرفة كثير من أحكام الفقه فهي تحتاج إلى نظر واستدلال ولا يمكن أن يعرفها الإنسان.
كذلك مثلًا، في الرياضيات حينما يقولون: مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة، هذه قاعدة وحقيقة صحيحة، لكن هل هي ضرورية يعرفها كل إنسان أو تحتاج إلى شيء من النظر؟
قال المصنف:
(وَالنَّظَرُ هُوَ الفِكْرُ في حَالِ المَنْظُورِ فِيهِ.
وَالاسْتِدْلالُ طَلَبُ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ: هُوَ المُرْشِدُ إلى المَطْلُوبِ؛ لأنَّهُ عَلامَةٌ عَلَيْهِ.
والظَّنُّ تَجْويزُ أَمْرَينِ أَحدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ.
والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما عَلَى الآخَر.
وأُصُولُ الفِقْهِ طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإجْمَالِ وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلالِ بِهَا)
لما ورد في تعريف العلم المكتسب أنه يحتاج إلى نظر واستدلال؛ اضطر المؤلف أن يعرِّف النظر والاستدلال فقال: (النظر هو: الفكر في حال المنظور فيه) يعني أن تتفكر وتتأمل في حال المنظور فيه.
ثم قال: (الاستدلال هو: طلب الدليل) هذا تعريف الاستدلال المذكور في تعريف العلم هنا، يعني البحث عن الدليل والتنقيب عنه.
ثم عرف الدليل بقوله: (الدليل هو: المرشد إلى المطلوب) المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه، والدليل يمكن أن يكون: