الأمر الثاني: كيفية الاستدلال بها، أي كيف نقيم الدليل من الكتاب والسنة؟ وهذا يشمل طُرق الاستنباط من الكتاب والسنة، ويشمل كذلك ترتيب الأدلة وما المُقدَّم منها وما المؤخّرْ عند التعارض.
ملحوظة: بعض الأصوليين كالرازي زاد على هذا التعريف قوله: (وحال المُستدِل) وزيادته هذه قصد بها , أن يدخل في أصول الفقه ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد؛ لأن المُستدل هو المجتهد الناظر في الأدلة وفي طرق الفقه، وعادة الأصوليين أنهم يتكلمون عن الاجتهاد والتقليد في كتبهم فقالوا: ينبغي أن نلحق هذه الزيادة فيكون علم أصول الفقه هو: طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستفادة منها وحال المستدل , فيدخل فيه المجتهد وشروط الاجتهاد وكيفية الاجتهاد، ويدخل كذلك ما يتعلق بالمستفتي وحال المستفتي وحال المقلد لأنه أيضًا مستفيد لكن المجتهد مستفيد للأحكام بنفسه (يستنبطها بنفسه) والمقلد يستفيدها من المجتهد.
أبوابُ أصولِ الفقه:
قال المصنف: (وَأَبْوَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَقْسَامُ الْكَلامِ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ، وَالأَفْعَالُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَالإِجْمَاعُ وَالأَخْبَارُ، وَالْقِيَاسُ، وَالْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ، وَتَرْتِيبُ الأَدِلَّةِ، وَصِفَةُ الْمُفْتِى وَالْمُسْتَفْتِى، وَأَحْكَامُ الْمُجْتَهِدِينَ) .
هذا المقطع خصصه المصنف (رحمه الله) لإعطاء فكرة عن أبواب أصول الفقه على سبيل الإجمال؛ لأن هذا يفيد الدارس، لأنه لمَّا عرّف أصول الفقه بَيّنَ هنا أبواب هذا العلم حتى يكتمل التصور لدى الدارس , وهو قد اقتصر هنا على الأبواب الرئيسة، أي أنه لم يعدد كل أبواب أصول الفقه بدقة، وإنما اقتصر على أهم هذه الأبواب التي يعد الإحاطة بها من الأمور المهمة والضرورية لدارسي هذا العلم، فقال: (أبواب هذا العلم هي: أقسام الكلام) أول ما يبتدئون فيه يذكرون أقسام الكلام، ويعنون تقسيمه إلى اسم وفعل وحرف، ثم تقسيمات أخرى سيأتي طرف منها (إن شاء الله) ثم مباحث الأمر النهي، ثم مباحث العام والخاص، ثم المجمل والمبين، ثم الظاهر والمؤول، ثم أفعال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ودلالتها على الأحكام.
ثم الناسخ والمنسوخ أي موضوع النسخ، وتعريفه وأقسامه وحكمه، ثم الإجماع والأخبار المنقولة عن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وعن صحابته أيضًا رضوان الله عليهم والقياس، والحظر والإباحة أي الأصل في الأشياء هل هو الحظر أم الإباحة؟ وترتيب الأدلة، أي ما الذي يقدم منها وما الذي يؤخر؟ ثم في النهاية صفة المفتي (المجتهد) والمستفتي وأحكام المجتهدين.
أقسامُ الكلام من حيث الوضع:
قال المصنف:(فَأَمَّا أَقْسَامُ الْكَلامِ: فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلامُ اسْمَانِ، أَوْ اسْمٌ وَفِعْلٌ، أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ، أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ.
وَالْكَلامُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ , وَيِنْقَسِمُ أَيْضَا إِلَى تمََنٍ وَعَرْضٍ وَقَسَمٍ).
لما ذكر الأبواب إجمالا بدأ بالباب الأول منها ألا وهو أقسام الكلام.
فقال: أقل ما يتركب منه الكلام اسمان فقط، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف , أو اسم وحرف، أي لكي يكون الكلام له فائدة، وله معنى لابد؛ أن يتركب من اسمين: كالمبتدأ والخبر، كما في قوله تعالى: ... {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ} ، فهذا كلام مفيد فائدة يحسن السكوت عليها.
وقد يتكون الكلام من اسم وفعل , كالفعل والفاعل، تقول: جاء زيد، فهذا كلام مفيد، مكون من فعل واسم.
وقد يتكون من فعل وحرف، أو اسم وحرف، ولكن هذا الجانب تساهل فيه المصنف، وإلا فالنحاة يقولون إن الكلام لا يمكن أن يتكون من اسم وحرف أو فعل وحرف؛ لأنهم يعنون بالكلام ما يفيد فائدة يحسن السكوت عليها.