لكن مثّلَ شُرّاح هذا المتن، الحرف مع الاسم، بقولك: يا زيد , فهذا مكون من حرف النداء (يا) والاسم، وهو كلام مفيد , لكن الواقع أن النحاة تكلموا في هذا وقالوا: إن حرف النداء هنا على معنى أدعوا فتكون الجملة (أدعو زيدًا) فيذكرون فعلًا مقدرًا.
كذلك الشراح مثّلوا للحرف مع الفعل بالضمائر , لكن الضمير حقيقةً ليس بحرف , ولكن الضمير اسم، فحينما نقول مثلًا: ضربه، هذا جملة فعليه تامة؛ لأنها مكونة من فعل وفاعل مستتر , وأيضًا ضمير الهاء هنا مفعول به فهي جملة كاملة، لكن الحقيقة أن الأصوليون عادة يتكلمون عن الكلمة ذات المعنى، ولا يعنيهم أن يكون الكلام مركبا من كلمة أو كلمتين أو ثلاث.
* انتقل المصنف بعد هذا إلى بيان أقسام الكلام من حيث معناه وما يدل عليه.
لكن المصنف حقيقة لم يستوعب جميع الأقسام ولم يهدف إلى وضع تقسيمًا حاصرًا بل تداخلت الأقسام عنده، فقال: إما أن يكون أمرًا أو يكون نهيًا أو خبرًا أو استخبارًا أي استفهامًا.
* هناك بعض الأصوليين قسموا الكلام تقسيمًا آخر وهو تقسيم حاصر عندهم، فقالوا: الكلام إما أن يكون إنشاءً وإما أن يكون خبرًا، ولا يمكن أن ينقسم إلى أكثر من ذلك، ثم ذكروا أقسام الإنشائي , وذكروا أقسام الخبري , لكن المصنف لم يرى فائدة للاستيعاب في القسمة وإنما ذكر الأقسام التي سيتكلم عنها وسيرد لها ذكر في كتابه هذا.
* ثم ذكر أقسام أخرى هي أيضًا داخلة في أقسام الكلام، فعد منها التمني، والعرْض، والقسم.
التمني: مثل قولك: ليتنى أفعل كذا وكذا، قال الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يومًا.
العرض: كأن تقول لصاحبك: ألا تذهب معي، ألا تستمع لما أقول.
القسم: هو الحلف، تقول: والله لأفعلن كذا.
فهذه كلها من أقسام الكلام، وهي راجعة إلى الإنشاء ولعل المصنف لم يرد الاستيعاب؛ لأن الكتاب ليس بكتاب لغة حتى يفصل فيه وإنما ذكر طرفا من هذه التقسيمات واقتصر على ما يستفيد منها الفقيه في استنباط الأحكام.
تقسيم الكلام من حيث الاستعمال:
قال المصنف:(وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ.
فَالْحَقِيقَةُ: مَا بَقِيَ فِي الاسْتِعْمَالِ عَلَى مَوضُوعِهِ، وَقِيلَ: مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ.
وَالْمَجَازُ: مَا تُجُوِّزَ عَنْ مَوْضُوعِهِ.
وَالْحَقِيقَةُ: إِمَّا لُغَوِيَّةٌ، وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ، وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ.
وَالْمَجَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ نَقْلٍ، أَوْ اسْتِعَارَةٍ).
بعد أن تكلم عن أقسام الكلام من حيث المعنى، وعدد بعض هذه الأقسام ولم يستوعبها , انتقل إلى تقسيم آخر له أيضًا مساس باستنباط ومعرفة الأحكام من الأدلة الشرعية , وهو تقسيم الكلام من حيث استعماله وينقسم إلى حقيقة ومجاز، أما التقسيم الأول للكلام فهو تقسيم من حيث وضعه أي هو موضوع لمعاني كالتمني مثلًا فكلمة"ليت"موضوعة للتمني، و"عسى"مثلًا موضوعة للترجي، و"ألا"مثلًا موضوعة للعرض، و"الواو"مثلًا موضوعة للقسم، هذه معاني وضعت الألفاظ لها.
لكن هنا تكلم عن استعمال اللفظ، أي الذي يستخدِم أو يستعمل اللفظ العربي إما أن يستعمله في حقيقته أو يستعمله في مجازه.
فبدأ بتعريف الحقيقة والمجاز، فقال: (الحقيقة هي: ما بقى في الاستعمال على موضوعه) أو (ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة) .