فذكر تعريفين للحقيقة، التعريف الأول: (ما بقى في الاستعمال على موضوعه) يعني أن الذي استعمله، استعمله فيما وضعه العرب له حينما وضعوا هذه الكلمة، وذلك مثل لفظ الأسد، حينما تستخدمه تريد به الحيوان المفترس المعروف، فأنت استخدمت هذا اللفظ في المعنى الذي استعمله فيه العرب أولًا حينما وضعوا كلمة أسد.
والتعريف الثاني: (ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة) لكن التعريف الأخير هذا، له فائدة تزيد على التعريف الأول، فائدته أنه يشمل تعريف الحقيقة، بأنواعها الثلاثة التي سنذكرها قريبا
الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية , والحقيقة الشرعية.
* ثم انتقل إلى المجاز فقال: (والمجاز ما تجوز عن موضوعه) .
أصل المجاز من الاجتياز، فأنت حينما تقطع النهر مثلًا تقول: اجتزت من هذه الضفة إلى الضفة الأخرى، فالمجاز مأخوذ من هذا المعنى (التجوز) ولهذا قال: (ما تجوز عن موضوعه) أي عن المعنى الذي وضع له في أصل اللغة، فتنتقل عن المعنى الذي وضع له في أصل اللغة إلى معنىً آخر مثل ما تقول: هذا أسد , وتقصد به الرجل الشجاع , فتعبيرك هذا تعبير مجازي، والكلمة هنا استخدمت في معناها المجازي ولم تستخدم في موضوعها اللغوي الذي وضعت له أصلًا.
* ثم انتقل بعد هذا إلى تقسيمات الحقيقة فقال الحقيقة: إما لغوية، وإما شرعية، وإما عرفية.
فالحقيقة اللغوية: هي المأخوذة من اللغة، أي نستعمل اللفظ في معناه الذي استعمله فيه العرب حينما وضعوه أولًا، مثل: استعمال لفظ الأسد في الحيوان المفترس المعروف.
والحقيقة الشرعية: هي المأخوذة من الشرع، أي نستعمل اللفظ في المعنى الذي استعمله فيه الشرع.
مثل: استعمال لفظ الصلاة، في الصلاة ذات الركوع والسجود، لكن لو نظرنا إلى أصل وضعها تكون مجازًا , لأن أصلها وضع بمعنى الدعاء , ولكنها هنا سميت حقيقة من جهة الشرع؛ لأن اصطلاح الشرع جرى على ذلك.
وأما الحقيقة العرفية: هي المأخوذة من العرف، أي نستعمل اللفظ في المعنى الذي جري عرف الناس باستعماله فيه , مثل: إطلاق لفظ الدابة على الفرس فقط، أو على ذوات الأربع، بينما لفظ الدابة في أصل لغة العرب، يشمل كل ما يدب على وجه الأرض.
* وأما المجاز فأيضًا قد اختصر فيه، واقتصر على تقسيمه إلى أربعة أقسام:
(1) المجاز بالزيادة: وذلك مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
فإن العلماء قالوا: إن الكاف هنا زائدة قصد بها تأكيد نفي المثل، وقالوا لو أننا لم نجعلها زائدة لجعلناها تشبيهيه، فكأنا قلنا: ليس مثل مثله شيء , وهذا لا يجوز فاعتبروا هذا من المجاز بالزيادة.
(2) المجاز بالنقصان: يعني بالحذف كما تحذف المضاف أحيانًا وتعبر بالمضاف إليه.
مثاله: قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} فحذف المضاف (أهل) وتقدير الكلام: واسأل أهل القرية.
ملحوظة: كثير من العلماء لا يسمون هذين النوعين من المجاز.
(3) المجاز بالنقل:
النقل: هو نقل الاسم من معناه اللغوي إلى معنىً آخر.
مثاله: كما تسمي إنسانًا مثلًا جعفر، الجعفر في أصل اللغة: النهر الصغير.
(4) المجاز بالاستعارة: معناه أنك تشبه شيئًا بشيء فتقول مثلًا: ما رأيت أسدًا يرمي كفلان، أو تقول: فلانًا كالبحر، فأنت شبهت فلان بالبحر , وصفة البحر يطلقها العرب عادة على الرجل الكريم؛ لأن كثيرًا منهم يعرف خيرات البحر وما فيه من اللآلئ والجواهر والأسماك وما يستفاد منه؛ فلهذا يصفون الكريم بأنه بحر وهذا يسمى استعارة.