فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 78

مسألة: هل القرآن فيه مجاز أم لا؟

وقع خلاف في هذا بين العلماء وجمهورهم على أن في القرآن مجازًا ولا يعيِبُه ذلك؛ لأن القرآن جاء بلغة العرب، والعرب قد تكلموا بالحقيقة والمجاز، فلهذا لا يكون عيبًا أن يأتي في القرآن مجاز، بل هذا دليل على أنه جاء بهذه اللغة ومع ذلك تحدى العرب أن يأتوا بمثله ولم يستطيعوا، فالقول بأن القرآن ليس فيه مجاز، هو قول لبعض العلماء لكنه مرجوح، ولعل الخلاف لفظي؛ لأنهم كلهم يحملونه على هذا المعنى، يعني الذي يقرأ مثلًا {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى} هل يقول: كل كفيف البصر يكون في الآخرة أعمى؟ بالطبع لا يقول بهذا أحد فالعمى الذي يكون في الدنيا لابد أن يحمل على المجازي {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} يعني عمى البصيرة وليس عمى البصر.

* ولعل قائل أن يقول: إن القول بوجود المجاز في القرآن هذا سَهَّل على نُفاة الصفات أن ينفوها وأن يعترضوا على ما نثبته من الصفات نقول: هذا ليس حجة لهم، والذين يحتجون بمثل هذا حجتهم داحضة وباطلة ولا يُلتفت إليها , لماذا؟ لأن الجميع مُقرٌّ بأن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يحمل على المجاز إلا

إذا تعذر حمله على الحقيقة، وهم لم يأتوا بدليل على استحالة حمله على الحقيقة؛ فلهذا نحن نحمله على الحقيقة ولا يضرُّنا من خالفنا في هذا.

ومما يدل على أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، ليس هو السبب الرئيس في مخالفة من خالف في باب الاعتقاد , مما يدل على هذا أن الذين أنكروا المجاز منهم , من أنكر بعض الصفات أيضًا والذين أثبتوا المجاز أيضًا منهم خلق كثير (والحمد لله) أثبتوا جميع صفات الله التي أثبتها لنفسه وتركوا تأويلها ومعرفة كيفيتها إليه؛ لأنهم لم يؤمروا بالبحث فيها، فالقول بأن في القرآن مجازًا (إن شاء الله) لا يكون مجال انتقاد للقرآن

ولا يكون طريقًا لأهل البدع لينفوا ما أثبته الله (- عز وجل -) من الأسماء والصفات.

قال المصنف:(فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"الشورى: 11"

والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهاَ"يوسف: 82"والمجاز بالنقل، كالغائط فيما يخرج من الإنسان والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى: جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَنْقَضَّ"الكهف: 77") .

هذه يعني تفصيل لما ذكر سابقًا وتمثيل فقط، ونحن قد أشرنا إلى هذا، وبينا الأمثلة على المجاز بالزيادة والأمثلة على المجاز بالنقص والمجاز بالنقل اختلف تمثِيلُنا على تمثُّله وكلا المثالين صحيح والحمد لله فهو مثل المجاز بالنقل بلفظ الغائط، قال: (فيما يخرج من الإنسان) فإن الغائط في أصل لغة العرب هو: المكان المنخفض , فيطلقون الغائط على المكان المنخفض , ولكنهم فيما بعد أطلقوه على الخارج المستقذر واشتهر هذا حتى أصبح معروفا بهذا الاسم.

والمجاز بالاستعارة مثَّلهُ بقوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَنْقَضَّ} .

* ولكن كيف جُعل هذا من المجاز؟ قالوا: إنه أسند الإرادة إلى الجدار والجدار جماد ليس له إرادة، لا يقال: إنه يريد ولا لا يريد.

وإنما هو جدار مائل يشبه من يريد الانقضاء، فشبهه به، فعبر بهذا التعبير وسمي هذا التعبير مجازًا بالاستعارة.

الأمر والنهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت