قال المصنف: (وَالأَمْرُ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ)
هذا تعريف الأمر في الاصطلاح عند الأصوليين والفقهاء.
فذكر أولا الاستدعاء , والاستدعاء: معناه الطلب سواءً كان طلبا جازمًا
أو غير جازم , ثم أضافه إلى الفعل (استدعاء الفعل) حتى يخرج النهي فإن النهي استدعاء الترك ... (طلب ترك) وليس طلب فعل.
ثم قيده بأن يكون الاستدعاء بالقول حتى يخرج الاستدعاء بطريق الإشارة , كما لو أشار إليك أحد فهذا لا يسمى أمرًا في الاصطلاح عند المصنف وعند كثير ممن تبعه في هذا.
والذين قيدوا الأمر بالقول يقولون الفعل أو الإشارة لا يعد أمرًا حقيقة؛ ولهذا لا يترتب عليه ما يترتب على الأمر.
قد يُقال لماذا أخرجت الإشارة عن أن تكون أمرًا؟ وذلك لأن الإشارة ليست صريحة في الأمر الذي نحمله على الوجوب فلا نستطيع أن نحملها على الوجوب؛ ويظهر لهذا فائدة وهو أن إشارة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) مثلا إلى الغرماء الذين اختصموا على بابه حينما أشار إليهم أن ضعوا النصف، هذا لم نحمله على الوجوب ولم نعده أمرًا حقيقيًا فيحمل على الوجوب.
وأما القيد الثالث الذي ذكره المصنف وهو قوله: (ممن هو دونه) يعني الاستدعاء يكون من الأعلى إلى الأدنى وهذا الاختيار اختيار موفق من المصنف فإن المصنف نظر إلى أن بحث الأصوليين في الأمر والنهي إنما هو بحث في الأدلة من الكتاب والسنة وإذا كان الأمر كذلك فإن الأوامر الصادرة من الله ومن رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) هي صادرة من الأعلى إلى الأدنى؛ فلهذا اختار أن يكون مُسمى الأمر مقتصرًا على ما كان الاستدعاء فيه من الأعلى إلى الأدنى.
وأما لو كان الاستدعاء من الأسفل إلى الأعلى يعني من الأقل رتبة فإنه لا يكون أمرًا حقيقيا ً, ولا يستفاد منه وجوب ولا طلب , وإنما يستفاد منه الدعاء؛ بمعنى أننا نحن حينما نسأل الله جل وعلا نعبر بصيغة افعل.
مثل قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} فآتنا هنا يقول النحاة فعل أمر لكنها ليست أمرًا اصطلاحيًا , يعني ليست الأمر المصطلح عليه في أصول الفقه الذي يقال أنه يقتضي الوجوب , وإنما هي لما جاءت من الأدنى إلى الأعلى سميت دعاءً.
كذلك من النِّدْ إلى النِّدْ , فمثلا حينما يقول افعل كذا تسمى التماسًا ولا تسمى أمرًا حقيقة.
فهذا فائدة قوله (ممن هو دونه) فهو يقيد الأمر بأن يكون من الأعلى إلى الأدنى , فالأمر حينما يكون من الأعلى إلى الأدنى يكون أمرًا حقيقيًا أما إذا كان من الند إلى الند فهذا يسمونه التماسًا وأما إذا كان من الأدنى إلى الأعلى وجاء بصيغة افعل ونحوها فإنهم يسمونه دعاءً.
قول المؤلف (على سبيل الوجوب) هذا فيما يظهر من النص الذي بين أيدينا أنه تابع للتعريف لكن الواقع أنه لا يصلح أن يدخل هذا في التعريف , وإمام الحرمين (بجلالة قدره في هذا العلم) أستبعد أن يكون قصد به إكمال التعريف، والنسخة التي معي الحقيقة ليست محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا , وليست معروضة على أصول كثيرة بحيث نطمئن إلى صحتها؛ فلهذا نقول:
الاحتمال الأول: إن قوله (على سبيل الوجوب) لا يصلح أن يدخل في التعريف , لماذا لا يصلح؟ لأننا نقول إن مدلول الأمر الوجوب ونحن نعرف الوجوب بالأمر , إذا أمر الله بشيء أو أمر رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) بشيء عرفنا أنه واجب , فكيف نأتي ونجعل الوجوب جزءًا من تعريف الأمر؟! هذا يترتب عليه ما يعرف عند المنَاطِقة بالدور يعني أننا لا نعرف الوجوب إلا بالأمر , ولا نعرف الأمر إلا بمعرفة الوجوب.
الاحتمال الثاني: أن قوله: (على سبيل الوجوب) كلام مستأنف، يعني أن الأمر الذي هذا تعريفه يحمل على الوجوب , وهذا هو الاحتمال الراجح الذي يمكن أن نحمل الكلام عليه ولا يقع فيه خلل.
صيغة الأمر: