قال المصنف: (وَصِيغَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ(افْعَلْ) وَهِيَ ـ عِنْدَ الإِطْلاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَنْ القَرِينَةِ ـ تُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوْ الإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْه)
بعد أن تكلم عن التعريف انتقل إلى الصيغة ما هي الصيغة التي تفيد هذا المعنى الذي سميناه الأمر قال صيغته (افعل) صيغة افعل الحقيقة هي أهم صيغ الأمر بلا شك وأكثر الأوامر إنما تأتي بصيغة افعل
مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقوله: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} .
فالآيات والأحاديث في صيغة افعل أو افعلوا كثيرة , ولكن هناك صيغ أخرى للأمر لم يذكرها المصنف واكتفى بالصيغة المشهورة , فمن الصيغ الأخرى:
(1) صيغة المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} .
(2) اسم فعل الأمر: مثل قول المؤذن: حي على الصلاة يعني أقبلوا على الصلاة , فكلمة حي ليست فعلا بل هي اسم فعل أمر بمعنى أقبل.
(3) المصدر: كما قال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) : (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) .
فقوله: صبرًا أي اصبروا , يعني أمر بالصبر.
ولكن أكثر صيغ الأمر انتشارًا هي صيغة افعل.
قال (وهي) يعني (صيغة افعل) ومثلها ما ذكرنا تبعًا لها (عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه) يعني تحمل على الوجوب.
ومعنى قوله: (عند الإطلاق والتجرد عن القرينة) يعني إنها أحيانًا تصحبها قرينة تمنع من حملها على الوجوب , فإذا وجدت هذه القرينة صرفتها.
مثل قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تبا يعتم} فأمر تعالى بالإشهاد , ولكن الأمر هنا قال العلماء: إنه لا يحمل على الوجوب وإنما يحمل على الإرشاد والندب والاستحباب وذلك: لأنه ثبت عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه بايع من غير إشهاد , وذلك في حديث خزيمة بن ثابت المشهور.
كذلك أيضا قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} نزلت في شأن الأرقاء فهذا الأمر محمول على الندب، لماذا؟ وما الصارف له؟
الصارف له أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) لم يلزم الصحابة بعتق من تحت أيديهم من الأرقاء ً, ولم يلزمهم بمكاتبتهم فلهذا قال العلماء إنها مندوبة وليست واجبة , و هناك من قال بالوجوب ولكن إذا كان الرقيق خيره متعدى.
فإذن هنا صارف صرفها عن كونها للوجوب إلى كونها للندب وهناك أمثلة ربما يأتي طرف منها.
قوله: (إلا ما دل الدليل على أن المراد منها الندب أو الإباحة) مثال الندب ذكرناه. أما ما قام الدليل على أن المراد منه الإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} يعني إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا فهذا أمر (اصطادوا) ولكنه لم يقل أحد إنه للوجوب وإنما هو للإباحة و القرينة الصارفة لها أنه جاء بعد حظر و القاعدة تقول: إن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه بمثابة الإذن فكانوا ممنوعين من الصيد حينما كانوا محرمين ثم أذن لهم بعد ذلك فيه فأفاد الإباحة ولم يفد الوجوب.
قوله: (وَلا يقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ إلا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ , وَلا يقْتَضِي الْفَوْرَ)
هاتان مسألتان من مسائل الأمر:
المسألة الأولى: هل الأمر المطلق يقتضي التكرار؟
أي هل يجب على المأمور بأمر أن يكرر فعل هذا الأمر كلما استطاع وفي جميع الأوقات المقبلة , يكرر هذا الأمر بحيث لا يستثنى من هذا إلا الأوقات الضرورية من نومه وأكله وشربه وغير ذلك , هل هو مطالب بتكرار هذا الأمر وفعله مرة بعد مرة أم إذا فعله مرة واحدة سقط عنه الطلب وبرئت ذمته؟
القول الراجح (وهو الذي اختاره المصنف) أن الأمر لا يقتضي التكرار أي لا يقتضي أن تفعله مرة