فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 78

بعد أخرى يعني أنت مأمور مثلا بقراءة الفاتحة , فإذا فرغت من قراءة الفاتحة بعد الإمام وأنت مأموم في صلاة سرية وبقي عندك وقت هل مطلوب منك أن تكرر الفاتحة مرة أخرى؟ الجواب لا؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، كذلك ورد الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود هل هذا الأمر يقتضي أن تسبح مرات متعددة أو يكفيك مرة واحدة؟ بل يكفيك مرة واحدة.

* قد يقول قائل وهل هناك أحد يقول أن الأمر يقتضي التكرار فهذا أمر مستغرب؟ نقول الذين قالوا إنه يقتضي التكرار نظروا إلى بعض الأوامر مثل: الأمر بتقوى الله , الأمر بالإيمان بالله , فقالوا هذا لا بد أن نقول إنه يقتضي التكرار؛ لأنه ليس المطلوب من الإنسان أن يتقي الله مرة ثم يقف أو يؤمن بالله ساعة ثم يكفر فنظروا إلى هذا الجانب.

الذين قالوا: لا يقتضي التكرار (الجمهور) نظروا إلى جانب العبادات التي فيها فعل محسوس , وقالوا: لا يمكن أن نقول إنه يقتضي التكرار؛ لأننا لو قلنا إنه يقتضي التكرار لأدى ذلك إلى التصادم بين الأوامر , هذا الأمر يقتضي التكرار والآخر يقتضي التكرار فأيهما نقدم؟! فتتصادم الأدلة؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها.

ملحوظة: الكلام هنا في الأمر المطلق الذي لا يوجد فيه قرينة تدل على أنه يفيد التكرار؛ ولهذا قال المصنف (لا يقتضي التكرار على الصحيح إلا ما دل الدليل على قصد التكرار) فإذا كان هناك دليل يدل على قصد التكرار فنحمله عليه وذلك مثل:

(1) الأمر بتقوى الله (- عز وجل -) . فإن الإنسان مطالب بها كلما كان مدركا.

(2) الإيمان بالله (- عز وجل -) . كذلك هو مطالب به.

* لكن ما هي القرينة التي حملته على اقتضاء التكرار؟

القرينة أن هذه اعتقادات لو خلا منها القلب لحل مكانها النقيض , فلو خلا القلب من الإيمان لحل الكفر , فالإنسان مادام ذاكرًا وغير ناس هو مطالب بأن يبقى على إيمانه وعلى تقواه وعلى مراقبته لله (- عز وجل -) .

(3) الصلوات الخمس. تتكرر كل يوم , والقرينة هي النصوص التي وردت في وجوب تكرارها , كما في حديث معاذ حينما بعثه النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فقال له: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) فمعناه أن كل يوم وليلة فيه خمس صلوات.

(4) تعليق الأمر على سبب. فإذا علق الأمر على سبب وتكرر هذا السبب فإن الوجوب يتكرر تبعا لذلك , وذلك مثل ما جعل الشرع الزنا سببًا للحد فلو زنى واحد فإنه يحد ثم إذا وقع في الزنا مرة أخرى فإنه يحد مرة أخرى وهكذا.

المسألة الثانية: اقتضاء (صيغة افعل) الفور فقال (ولا تقتضي الفور) يعني هذه الصيغة لا تدل على الفور.

فما المقصود بالفور؟ الفور هو المبادرة إلى الفعل في أول أوقات الإمكان.

أي: أن يبادر العبد إلى فعل المأمور به في أول أوقات الإمكان (أول وقت تتمكن فيه من الفعل) فلا نقول لابد أن تبادر بعد سماع الأمر مباشرة؛ لأنك ربما لا تتمكن من ذلك , فبعض الأوامر مثلا تحتاج إلى استعداد كالأمر بالحج مثلًا , فلو جاء الأمر بالحج قبل وقته لا يمكن للعبد أن يفعله إلا بعد أن يأتي وقته.

وكذلك لو أتى الأمر بالحج أيضًا ولكن العبد لم يتمكن منه , فهل يأثم بالتأخير؟ لا يأثم بالتأخير قولًا واحدًا إذا كان لم يتمكن منه.

فهذه المسألة محل خلاف بين العلماء والمصنف هنا اختار أنه لا يقتضي الفور وهذا مذهب كثير من الشافعية , لكن القول الراجح (إن شاء الله) أنه يقتضي الفور.

* حجة من قال إنه لا يقتضي الفور:

(1) أن الأمر بالحج كان متقدما والرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لم يحج إلا في السنة العاشرة فدل هذا على أن الأمر ليس للفورية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت