فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 78

(2) إن الأمر لا يتعرض للزمان كما أنه لا يتعرض للمكان , يعني الأمر كما أنه يجوز أن يفعل في أي مكان يجوز أن يفعل في أي زمان.

يعني الذي حنث مثلا مطالب بأن يكفر لكن هل قال الشرع متى تكفر؟ هل بعد الحنث بساعة أم ساعتين بعد يوم أو يومين لم يقل شيئًا وإنما جاء الأمر بالكفارة فقط فإذن هذا يسمى أمر مطلق لم يتعرض للوقت كما أنه لم يتعرض للمكان.

* حجة من قال إنه يقتضي الفور:

أي يقتضي المبادرة ولا يجوز التأخير إلا إذا قام دليل على جواز التأخير.

(1) قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} فالأمر بالمسارعة دليل على المبادرة؛ لأن المراد بالمسارعة المبادرة , فلابد من أن يبادر الإنسان , والأمر كما قلنا للوجوب , فإذن المسارعة هنا مأمور بها كذلك المسابقة , قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} فهي مأمور بها أيضًا.

(2) أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) حينما أمر الصحابة عام الحديبية بأن ينحروا ما معهم من الهدي ويحلوا ترددوا أي كأنهم قالوا كيف ننحر قبل أن نبلغ مكة ونؤدي عمرتنا فغضب النبي (- صلى الله عليه وسلم -) لتلكؤهم وترددهم زمنا يسيرًا فالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) غضب لمجرد التأخير اليسير , فيقولون هذا دليل على أنه يقتضى الفورية.

(3) إن الذي يقول يجوز التأخير , هل يستطيع أن يحدد وقتا لهذا التأخير؟ فإن حدد وقتا فهذا تحكم وإن لم يحدد وقتا فمعناه أنه ترك الأمر للمكلف نفسه والمكلف ربما تراخى فيه وتهاون حتى تخترمه المنية فيموت قبل أن يفعل ما أُمر به , فالتأخير يؤدي إلى مخاطرة فربما يموت الإنسان قبل أن يفعل الأمر.

من الأمثلة التي تندرج تحت هذا الخلاف:

الحج للمستطيع، فهل يجوز للمستطيع أن يؤخر الحج عامًا أو عامين مع قدرته؟ القائلون بالفور يقولون لو أخره يأثم , والقائلون بعدم الفورية يقولون إذا أخره وتمكن من الحج لا إثم عليه , لكن لو مات قبل أن يحج وهو قد تمكن في العام الماضي يأثم , فهذا من ثمرة الخلاف , كذلك في الكفّارات والنذور التي لم توقّت بوقت فإذا نذر أن يفعل شيئا أو وجبت عليه كفارة , هل يلزمه المبادرة أم لا تلزمه المبادرة؟ هذا مما يبنى على مسألة اقتضاء الأمر للفورية فمن قال إنها للفورية يقول يلزمه المبادرة ولو أخر يأثم , ومن قال بعدم الفورية يقول إذا أخر وفعل لا إثم عليه.

ملحوظة: الخلاف هنا مداره علي الأمر الذي لم يوقت بوقت أما الأمر المحدد بوقت فهذا لا خلاف في أنه لابد أن يفعل في وقته كالصلاة مثلا.

قال المصنف: (وَالأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ، وَبِمَا لا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلاَّ بِهِ، كَالأَمْرِ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا، وَإِذَا فُعِلَ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ)

هنا مسألتان أيضًا من مسائل الأمر.

المسألة الأولى: الأمر بإيجاد الفعل يعد أمرا ًبه وبما لا يتم الفعل إلا به , هذه قاعدة من قواعد أصول الفقه , ويعبرون عنها أحيانا بعبارة أخرى وهي (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وهذا التعبير الأخير أكثر شيوعًا في كتب الأصول.

ومعنى قوله: (الأمر بإيجاد الفعل أمر بما لا يتم الفعل إلا به) أن بعض الأوامر لا يمكن امتثالها إلا بأن تسبق بأفعال أخرى , فهذه الأفعال الأخرى لو سكت عنها , أو لم يأت أمر بها , هل نعدها كالمأمور به ونعدها واجبة لأنها وسيلة إلى الواجب؟ الجواب نعم , وذلك مثل الصلاة والطهارة فالصلاة لابد لها من الطهارة والطهارة شرط في صحة الصلاة.

* لكن قد يقول قائل: الوضوء هذا ورد فيه أمر مستقل فلسنا بحاجة إلى قاعدتكم هذه.

نقول: هذا مجرد مثال تقريبي وإلا فهناك أمثلة أخرى لم يرد فيها نص.

(1) الوضوء مأمور به؛ لأنه شرط للصلاة لكن لو لم يجد الماء وكان في بلد جرت العادة فيه بأن الناس يبيعون الماء فإذا كان يباع بسعر مثله أو بزيادة قليلة لزمه أن يشتريه ولا يتيمم؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت