فهرس الكتاب
(2) قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ} هل المحرم هو فقط أكل الميتة؟ أو أكلها والانتفاع بها؟
فلابد هنا من تقدير محذوف، فهل نقدّر (حرم عليكم أكل الميتة) أو نقدّر (حرم عليكم الانتفاع بالميتة) ؟
فمن قال بأن العموم يمكن أن يوصف به غير الألفاظ قالوا: نقدّره عامّا , ويكون المعنى (حرم عليكم الانتفاع بالميتة) .
أما من ذهب بأن العموم لا يمكن أن يوصف به غير الألفاظ قالوا: نقدّر شيئًا واحدًا وهو المعنى الذي يتبادر إلي الذهن عند قوله تعالي: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ} ألا وهو تحريم أكل الميتة، ولا نقدر ما هو أعم من ذلك؛ لأن التحريم هنا منصبّ على شيء لم يذكر فنكتفي بتقدير واحد ولا نقدّر كل ما يمكن تقديره.
هذا يدخل في مسألة عموم المقتضى ويمكن أن يؤخذ منه، هل العموم (المستفاد من التعليل) يمكن أن يكون صفة للمعاني؟ يعني حينما جاء النص بحرمة الخمر وعُرف أن علة التحريم هي الإسكار، فعمم العلماء حكمه على كل ما كان فيه هذه العلة، لكنهم عمموه بطريق القياس، فهل مثل هذا التعميم يمكن أن يسمى هذا اللفظ عامًا (من حيث المعنى) فالمصنف مع من يقول: لا يمكن للمعاني أن توصف في ذاتها بالعموم، الذي يوصف بالعموم هو الألفاظ فقط، فلا يكون العموم إلا في لفظ منطوق مسموع، أما المعني المقدّر الذي يقتضي السياق تقديره أو المعنى الذي نستفيده من النص كمقاصد الشريعة مثلًا فهذا لا يوصف بكونه عامًا، هذا ظاهر كلام المصنف.
* لكن لو نظرنا إلى كلام الفقهاء نجد أنهم يستفيدون العموم من المعنى وهناك من صرح منهم بالعموم المعنوي كالشاطبي فيذكر أن العموم المعنوي يمكن أن يستفاد من فروع الشريعة حينما تنتظم كلها وتشكل قاعدة عامة أو تبين لنا مقصدًا من مقاصد الشرع فإنها حينئذ تكون من باب العموم المعنوي , وقبل الشاطبي أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية أشار إلى أن العموم قد يكون بطريق اللفظ والوضع وقد يكون بطريق المعنى وقال: إن العموم المعنوي في غالب الأحيان يكون أقوى من العموم اللفظي المنطوق به.
فالخلاصة أن المصنف يرى أن العموم من صفات النطق وما ليس منطوقًا به لا يوصف بعموم؛ وبالتالي لا نقول بتخصيصه، فالشيء المسكوت عنه (الذي في نفسك وأنت تريده) لا نقول إنه يمكن تخصيصه؛ لأنه ليس بعام.
ثم قال: (ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه) فالفعل في ذاته لا يمكن أن يكون عامًا ففعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما يُنقل لنا، لا يمكن أن نُعمِّمَه.
مثال ذلك: جمعه - صلى الله عليه وسلم - في السفر , فإنه لا يفيد عموم الجمع والقصر في كل أنواع السفر , بل إنه يقع في واحد منهما.
قال: (وما يجري مجراه) كالقضايا المعينة مثل حديث أبي رافع - رضي الله عنه - قال: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار) فهذا لا يعم كل جار، لاحتمال الخصوصية في ذلك الجار. والراوي نقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم هكذا مثَّل شُرّاح الورقات، وهو رأي أكثر الأصوليين.
ويرى آخرون ومنهم ابن الحاجب والعضد والآمدي والشوكاني أن هذا يعم كل جار، لأن الصحابي الراوي عدل عارف باللغة، فلا ينقل صيغة العموم وهي كلمة (الجار) المعرفة بلام الجنس إلا إذا علم أو ظن العموم. ومثل هذا يفيد العموم، لأن اللام غالبًا للاستغراق فحملُها على اللام العهدية خلاف الظاهر وخلاف الغالب , وهو الراجح [1] .
مسألة: هل الفعل في سياق النهي أو النفي يعم، أي إذا قال قائل: والله لا أبيع ولا أشتري؛ لأنه خسر في الأسهم مثلًا , فهل معنى هذا أنه لا يبيع ولا يشتري حتى طعامه وشرابه؟
(1) هذا المقطع من شرح الشيخ الفوزان , حيث أن شرح الشيخ عليها غير واضح.