فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 78

لكن تركهما جميعًا غير ممكن؛ لأن هذا إبطال لدليل ثابت , والعمل بواحد منهما يُعد تَحَكُمًا أي اختيار لأحدهما من غير مُرجِّح ومن غير مُسوِّغ , فلم يبقى إلا الاحتمال الثالث وهو: أن يعمل بهما معًا بقدر الإمكان.

(2) الانتقال إلى النسخ. إن كان التاريخ معروفًا، فالمتأخر ينسخ المتقدم.

(3) الانتقال إلى الترجيح.

بدأ المصنف بالتعارض بين عامين فقال: (إذا تعارض عامان فإن أمكن الجمع بينهما جمع) فإذا أمكن الجمع بينهما، جمعنا بينهما بأي طريق من طرق الجمع، كقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} ، وقوله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فهاتين الآيتين بينهما تعارضًا ظاهرًا , فجمع العلماء بينهما فقالوا: الهداية في الآية الأولى تختلف عن الهداية في الثانية، فالهداية في الآية الأولى , المقصود بها: الدلالة على الخير , فما ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خير إلا وقد هدانا إليه (دلنا عليه) ، ومعناها في الآية الثانية: هداية التوفيق والإلهام، فهذه لا يملكها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أي لا تستطيع أن تخلق الهداية في كل من تحب ليسلك سبيل الهدى، ولن تقدر أن توفقه للهداية فإنها بيد الله - عز وجل -.

* هناك بعض العلماء ألف كتبًا في الجمع بين ما ظاهره التعارض من آيات القرآن الكريم كما في كتاب الشيخ الشنقيطي:"دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب"فذكر فيه أمثلة كثيرة على هذا النوع.

قوله: (وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ) الصحيح أن المقصود بالتوقف: أن يتوقف المجتهد إلى أن يبحث عن طرق أخرى، إما للجمع بينها وإما للترجيح , فهناك مرحلة الترجيح لم يذكرها المصنف وكان الأولى أن يقول: إن لم يمكن النسخ ننتقل إلى الترجيح (المرتبة الثالثة) .

* كثير من العلماء يقول لا يوجد تعادل بين الأدلة، بحيث ينسد باب الترجيح تماما أو ينسد باب الجمع بينها؛ ولهذا كان ابن خزيمة يقول: «لا يوجد حديثان صحيحان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعارضان ويتعذر الجمع بينهما، فمن وجد من ذلك شيئًا فليأتني به أنا أُؤلفُ بينه

قوله: (وكذا إذا كانا خاصّين) أي لا فرق بين كون الحديثين عامين أو خاصين، فلو كانا الحديثان خاصين نحاول أن نجمع بينهما أيضًا , وإلا صرنا إلى النسخ إذا علمنا التاريخ.

مثال الجمع بين خاصين: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (صلى يوم النحر الظهر بمكة) وروى أحد الرواة أنه (صلى الظهر بمنى) , فجمع بعض المحدثين بينهما بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاف طواف الإفاضة ثم صلى في مكة الظهر، ثم لمَّا جاء إلى منى وجد أكثر أصحابه لم يصلوا فصلى بهم، وهذا جمع حسن , ممكن وجوده، ويدل على صدق الراويين جميعًا.

إذن الخاص له حكم العام من حيث طرق الجمع , فإن أمكن الجمع جمعنا وإن لم يمكن فإننا نلجأ إلى القول بالنسخ ويكون القول المتأخر هو الناسخ.

* أهم الكتب في موضوع النسخ , كتاب الناسخ والمنسوخ لمكي بن أبي طالب، وهو من المتقدمين.

* طرق معرفة النسخ:

(1) النص عليه: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) .

(2) العلم بالتاريخ مع وجود التعارض:

(3) نص الصحابة واتفاقهم على أن هذا منسوخ وذاك ناسخ: كما نص كثير من الصحابة على أن حديث: (الماء من الماء) منسوخ، بحديث وجوب الغسل بمجرد الجماع: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) فمجرد الجماع يجب الغسل ولو لم ينزل.

الحالة الثالثة: أن يكون التعارض بين عام وخاص.

لكي يُدرأ التعارض بينهما: نقدم الخاص على العام، بمعنى أن العام يكون محمولًا على الخاص، فيُستثنى من أفراد العام ما ذُكر في الدليل الخاص، فيخرج عن الحكم، وما بقي يبقى محكومًا عليه بالحكم الوارد في الحديث أو في النص العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت