فهرس الكتاب
* الجمهور يقدمون الخاص مقدم على العام مطلقًا، سواءً كان العام ذكر أولًا والخاص جاء بعده، أو العكس أو ذُكرا معًا , بينما يرى الحنفية أن الخاص مقدم على العام مطلقًا , إذا قارنه فقط، لكن إذا تأخر عنه زمنًا يكفي للعمل بالعام أو تقدم عنه , فحينئذٍ يكون من باب النسخ، ولا يكون من باب التخصيص، ويكون المتأخر منهما ناسخ للمتقدم، حتى إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم.
مثاله: قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (فيما سقت السماء والعيون العشر , وما سقي بالنضح نصف العشر) , فهذا الحديث عام , قوله: (فيما سقت) أي كل ما يُسقى بماء السماء أو يُسقى بماء العيون الجارية فإنه يجب فيه العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر , وهذا يعم القليل والكثير، ثم جاء حديث آخر يدل على أن ذلك مخصوص بقدار معين , وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) فما نقص عن خمسة أوسق لا زكاة فيه، وما زاد عنه هو الذي فيه الزكاة.
الحالة الرابعة: أن يكون المتعارضين كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه.
لكي يُدرأ التعارض بينهما: نخصص العام بالخاص في كل منهما , بمعنى: أن هذا الجزء من النص الذي جاء عامًا إذا ورد خاصًا في الحديث الثاني نخصصه به , ثم العام في النص الثاني نخصصه بالخاص في هذا النص.
مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم: (إن الماء لا يُنَجِّسُهُ شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) , مع قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) .
فإذا نظرنا للحديثين نجد:
-الحديث الأول: أوله عام (الماء لا يُنَجِّسُهُ شيء) ، فيعم القليل والكثير , ولكن آخره خاص بما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة.
-الحديث الثاني: أوله خاص؛ لأنه قال الماء الذي يبلغ قلتين فأكثر لا يحمل الخبث , فهذا خاص بالقلتين , ولكن آخره عام بمعنى أنه لا يحمل الخبث سواء تغير أم لا , فنخصص أول الحديث الأول بالخاص في الحديث الثاني , فنقول: قوله - صلى الله عليه وسلم: (إن الماء لا يُنَجِّسُهُ شيء) أي إذا كان كثيرًا (بلغ القلتين فأكثر) فنجعله مُخَصَّصًَا بحديث القلتين , ونخصص آخر الحديث الثاني (حديث القلتين) بالخاص في الحديث الأول , فنقول: الماء إذا بلغ قلتين لا يحمل الخبث , أي لا يتنجس إلا إذا غلبت النجاسة على لونه أو طعمه أو ريحه فيتنجس.
الإجماع
قال المصنف: (وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَهُوَ اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ.
وَنَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءَ، وَنَعْنِي بِالْحَادِثَةِ الْحَادِثَةَ الشَّرْعِيَّةَ.
وَإِجْمَاعُ هَذِهِ الأُمَّةِ حُجَّةٌ دُونَ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (لا تَجْتَمِعْ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ) , وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِعِصْمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ).
الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع في الإسلام.
الإجماع في اللغة: يطلق ويراد به العزم، ويطلق ويراد به الاتفاق.
أما في الاصطلاح فهو: (اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة) أي أنه اتفاق من علماء عصر من العصور على حكم شرعي.
قوله: (على حكم الحادثة) أي أن الإجماع إنما يكون على واقعة تحدث، ولكن هذا الكلام فيه نظر؛ لأن الإجماع قد يكون على حادثة لم تكن موجودة من قبل، وقد يكون على أمر كان موجودًا قبل ذلك.
* هناك قيود أخرى يذكرها بعض العلماء في التعريف لم يذكرها المصنف , كمن يقيده بأنه لابد أن يكون هذا الإجماع من علماء أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولعل المصنف تركه للعلم به؛ لأنه إنما يتكلم عن مصادر التشريع وأدلته في الشريعة الإسلامية , وكمن يقيده أيضًا بأنه لابد أن يكون هذه الاتفاق بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - , وذلك؛ لأنه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا عبرة بقول أحد مع قوله، فلا يعد إجماعًا بالمعنى المصطلح عليه، وإلا فالاتفاق حاصل فيه، والمعنى: أن الأمة كانت متفقة في عهد