فهرس الكتاب
الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ما يقوله وعلى ما يفعله وعلى ما يشرعه وعلى الأخذ به، ولكنه لا يسمى إجماعًا في المصطلح عليه؛ لأن الحُجّة (في حياته - صلى الله عليه وسلم -) إنما هي في قوله وفعله، وأما غيره من الناس فمن وافقه فهو متبع له ومن خالفه فلا عبرة بقوله ولا بفعله.
قوله: (ونعني بالعلماء: الفقهاء) , الفقيه هو: ليس هو من حفظ الفروع أو حفظ المذهب , وإنما الفقيه هو العالم المجتهد الذي يعرف الحكم بدليله معرفة تامة بحيث يستطيع أن يستدل عليه ويناقش من يعارضه أو يجادله فيه.
قوله: (ونعني بالحادثة: الحادثة الشرعية) أي أن المراد بالمسألة الحادثة: هي المسألة الشرعية التي لها حكم في الشرع، ووَصَفَهَا بأنها شرعية؛ لكونها لها حكم في الشرع.
* الأولى أن يوصف الحكم بأنه شرعي وليس الحادثة أي أن الواقعة نفسها ينبغي ألا توصف بكونها شرعية؛ لأنها قد تكون محرمة، فقد تكون مثلًا معاملة محرمة، فلا نقول هذه حادثة شرعية , ولكن هي لها حكم في الشرع، فالذي ينبغي أن يوصف بأنه شرعي: هو الحكم؛ ولهذا ما يقوله غيره من العلماء الذين عرفوا الإجماع أولى، فوصفوا الحكم بأنه شرعي , فقالوا: الإجماع هو (اتفاق مجتهدي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته على حكم شرعي) فوصفوا الحكم بكونه شرعيًا , أما الحادثة فليس بالضرورة أن يصح وصفها بالشرعية، لكنه أراد أن لها حكما شرعيا؛ فلهذا قال هي حادثة شرعية.
حجية الإجماع:
انتقل المصنف بعد هذا إلى الكلام عن حجية الإجماع، وقال إن إجماع هذه الأمة حجة دون غيرها من الأمم السابقة، وهذا يدل على أنه لاحظ الشرط الذي ذكرناه في التعريف، ألا وهو (أن يكون هذا الإجماع من علماء أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -) فالمصنف يوافقهم أيضًا في المعنى، وإن لم ينص على خصوصية الإجماع بأمة محمد في التعريف، وذكر المصنف الإجماع من خصوصيات هذه الأمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن هذه خصوصية فقال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) .
إذن لا يُعدُّ اتفاق من سبقنا من الأمم على شيء أنه دليل على وجوده أو دليل على صحته.
* الأدلة على حجية الإجماع: استدل العلماء على حجيته بأدلة كثيرة، وكان من أوائل الذين استدلوا عليها الإمام الشافعي في الرسالة.
(1) قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .
(2) قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فهذا فيه دلالتان:
الدلالة الأولى: في قوله {وَسَطًا} والوسط هو الخيار، والوسط من كل شيء خياره، وإذا كانت الأمة الإسلامية خيارًا فلا يتصور أن تتفق على الباطل المخالف لشرع الله.
والدلالة الثانية: في قوله {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} والشاهد قوله مقبول، فلابد أن يكون عدلًا فهذا تعديل من الله، وبيان أن الأمة الإسلامية، شهود على غيرهم , وذلك عند اجتماعهم وعدم تفرقهم، وهذا دليل على قبول شهادتهم؛ لأن الشاهد في الشريعة الإسلامية، لابد أن يكون عدلًا , فإذن هم عدول وشهادتهم مقبولة.
(3) قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} فالآية تدل بمفهومها على أنكم إذا اتفقتم، فالحق ما اتفقتم عليه.
* ذهب بعض أهل العلم على أن الإجماع لا يمكن وجوده إلا في عهد الصحابة , أما بعد انقراض عهد الصحابة فالأمر غير ممكن ممن ذهب إلى هذا ابن حزم , ولكن هذا القول مردود؛ لأن العبرة بوجود الاتفاق حقيقة أو حكمًا , فلا يلزم أن يتكلم الجميع ويفتوا في هذه المسألة كما سنعرف (إن شاء الله) وإنما يمكن أن نعرف الاتفاق من كلام البعض وسكوت الباقين.
* يتبين لنا من المقطع السابق , أن أهل الإجماع هم العلماء المجتهدون وأن عامة الناس لا دخْلَ لهم في الإجماع , ولا تفسد آرائهم وأفعالهم الإجماع , ولا يقال مثلا إن هذا الشيء ليس محرمًا إذ لو كان محرمًا لما رأينا بعض المسلمين يفعله , فلا نحتج بفعل بعض المسلمين من عوام الناس , ولا نحتج كذلك بفعل العالم في الأمور التي وضح وبان حرمتها.