فهرس الكتاب
قال المصنف: (وَالإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي، وَفِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ , وَلا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ قُلْنَا: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ فَيُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ وُلِدَ فِي حَيَاتِهِمْ وَتَفَقَّهَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ، فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ) .
قوله: (حجة على العصر الثاني) أي أنه حجة على العصر الذي بعد عصر المُجمعِين , أما من سبقهم فلا يكون فيه حجةً عليهم.
* لو اختلف أهل العصر الأول على قولين كما إذا اختلف الصحابة في مسألة من المسائل على قولين , ثم لمَّا جاء أهل العصر الثاني (التابعين) , اتفقوا على أحد هذين القولين وتركوا الآخر , فهل هذا الإجماع من التابعين يدل على عدم جواز العمل بالقول الآخر؟ ذهب جمهور العلماء على أن هذا ليس إجماعًا؛ لأن الإجماع بعد استقرار الخلاف لا يرفع الخلاف السابق، والمذاهب لا تموت بموت أصحابها , كما قال الشافعي.
أما إذا لم يستقر الخلاف على قولين أو أكثر , وانعقد الإجماع من المختلفين , فأنه يكون إجماعًا.
مثاله: لما مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعده , وتشاوروا فكان الأنصار يقولون نحن أحق بالإمارة منكم , والمهاجرون يقولون بل نحن أحق بها , ثم اتفقوا بعد ذلك على إعطاء الإمارة للمهاجرين , فهذا يُعدّ إجماعًا؛ لأن الخلاف لم يستقر , وإنما كان في طور المشاورة ومداولة الرأي.
* معنى قول الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أصحابها: أنه إذا استقر الخلاف في المسألة ولم يقع اتفاق عليها ومات كل إمام متمسكًا بقوله , فلا يُمكن أن ندّعي إجماعًا متأخرًا بعد هذا الخلاف , فلا يجوز أن نقول: أجمع أهل العصر على مسألة فيها قولان للصحابة أو للتابعين؛ لأن معنى هذا أننا نُحِّرم الأخذ بالقول الثاني حتى وإن كان قد قال به أحد من الصحابة أو عالمًا من العلماء؛ لأنه قد أُجمع عليه.
لكن الإجماع لا يمكن أن ينعقد ويكون دليلا شرعيًا قطعيًا بعد وجود الخلاف واستقراره ممن سبق المُجمعين.
فإذا اتفقنا اليوم مثلًا على قول يخالف قول الشافعي، فهل يجوز لعامة الناس أن يقلدوا الشافعي ويتركوا اتفاق أهل العصر بناء على هذا الكلام؟ نقول: نعم , يجوز لهم ذلك , إلا إذا تغير مناط المسألة أي إذا تغيرت صفات المسألة وكانت من المسائل التي تخضع للمصالح والمفاسد وعرف الناس وتغيرت فيها الأعراف، فحينئذٍ تعتبر مسألة جديدة، وهذا من الخطأ أن يؤخذ الإجماع سلاحًا يُشهر في وجوه الذين يبحثون في مسائل جديدة جدّت غير المسائل السابقة، وأصبحت لها مآخذ ومدارك تختلف عما اطَّلع عليه السابقون فيها، وهذا لا يكون إلا في مسائل قليلة، ومثل هذا يكون اجتهادًا في تنزيل الحكم الذي اتفقوا عليه على الواقعة الجديدة، فالإشكال في أن هل إجماعهم السابق ينطبق على هذه المسألة التي وقعت في عصرنا؟ وهذا يسمونه تحقيق المناط، هل مناط الحكم موجود في هذه الواقعة أم غير موجود؟ فلا بد إذن من الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم في المسألة الحادثة.
ولتقريب المسألة نقول: إذا أجمعوا مثلًا على أن الزوجة لها حق النفقة (نفقة المثل) , وهذا يختلف من الموسر إلى المعسر، فهذا يحتاج إلى الاجتهاد في كل واقعة، وكل امرأة تطالب بنفقة لها؛ لابد أن يجتهد القاضي الذي في بلدها ويعرف حالة زوجها وحالتها، ثم يُقدِّر لها النفقة التي تستحقها، ولا يمكن أن نقول: أجمعوا على أن النفقة تكون درهما في اليوم، هذا خطأ , وإن كان الفقهاء قد اتفقوا عليه في وقت من الأوقات، ولكن تغيّر عصرنا عن العصر الذي تم الاتفاق فيه , فلا بد إذن من إعادة النظر في تحقيق المناط في هذه الواقعة.
قوله: (في أي عصر) أي أن الاتفاق في أي عصر يكون حجة سواءً في عصر الصحابة أو في عصر التابعين أو غيرهم , وخالف ابن حزم فقال: إن الإجماع الذي هو حجة إنما هو الإجماع في عهد الصحابة وأما بعد عهد الصحابة فقد تفرق التابعون في الآفاق فلم يعد بالإمكان استطلاع آرائهم جميعًا حتى نحكم بأنهم اتفقوا وأجمعوا أو أنهم لم يتفقوا , وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد.