فهرس الكتاب
لكن قول المصنف هنا هو الراجح وهو الذي يدل عليه الدليل؛ فإن أدلة الإجماع عامة لم تَخُصّ عصرًا دون عصر؛ فإذا أجمع علماء عصر من العصور يكون إجماعهم حجة على من بعدهم لا يجوز لهم مخالفته.
قوله: (ولا يشترط انقراض العصر)
المقصود بانقراض العصر: موت العلماء المجمعين على حكم الواقعة قبل رجوعهم عن رأيهم.
أي وفاتهم وهم مستمرون على رأيهم السابق في المسألة , فإذا مات آخر واحد من المجمعين , نقول حينئذ انقرض العصر , وليس المراد أن يموت كل أهل العصر وإنما المراد أن يموت المجمعون على هذه المسألة.
واشتراط انقراض العصر وعدمه من شروط الإجماع المختلف فيها.
-فذهب بعض أهل العلم أنه شرط؛ فلا يتحقق الإجماع إلا به , واستدلوا على قولهم بما جاء عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال عن أمهات الأولاد: «اجتمع رأيي ورأي عمر ألا يُبَعْنَ ولكني الآن أرى بيعهن» فعليّ - رضي الله عنه - رجع عن رأي قد اتُّفق عليه , وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يعود المجتهد عن رأيه قبل أن يموت المجمعون , فلا بد إذن من اشتراط انقراض العصر لتحقق الإجماع.
-وذهب البعض الآخر أن انقراض العصر ليس بشرط , وأنه بمجرد اتفاق علماء العصر على حكم المسألة لا يجوز لأحد منهم أن يرجع عنها؛ لأن جواز رجوع العالم إنما هو في المسائل التي لم يحصل فيها إجماع , والأدلة التي دلت على حجية الإجماع عامة ولم تشترط هذا الشرط مطلقًا , وما ذكروه من كلام علي - رضي الله عنه - مردود من وجهين:
الأول: أن عليّ حكى اتفاقه مع عمر وحده ولم يحك اتفاق المسلمين جميعا , فهذا ليس إجماع.
الثاني: قد أنكر عليه جابر بن زيد، مقولته هذه , فقال: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، أو قال: من رأيك في الفرقة , وهذا القول هو الصواب.
قوله: (فإن قلنا: انقراض العصر شرط فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم) أي مما يؤيد القول بعدم اشتراط انقراض العصر أنه لو اشتُرط هذا الشرط لما تحقق إجماع أبدا؛ لأنه قبل أن ينقرض أهل العصر يبلغ درجة الاجتهاد علماء آخرون من الطبقة التي تليهم ومن حقهم أن يفتوا في تلك المسألة بخلاف ما اتّفق عليه من سبقهم إذ لم ينعقد الإجماع بعد، فإن أفتوا بموافقتهم من قبلهم أصبحوا من أهل الإجماع فلا ينعقد حتى يموتوا ثم يأتي في عصرهم علماء من الطبقة الثالثة فيجوز لهم أن يخالفوا في تلك المسألة أو يوافقوا، وهكذا فلا يتحقق الإجماع أبدا.
والمشترطون للانقراض يقولون إنه ممكن؛ لأن العبرة بموت المجمعين من الطبقة الأولى قبل وجود المخالف من الطبقة الثانية أو الثالثة، ولا يشترط موت من لحق بهم من الطبقة الثانية أو الثالثة. وهذا لا دليل عليه , إذ كيف يجعل موت فلان من الناس دليلا على التحريم أو الإباحة أو غيرهما من الأحكام؟.
سؤال: هل يُعدّ قول الجمهور إجماعًا لا تجوز مخالفته؟
الذي عليه جمهور الأصوليون أنه لا يُعدّ إجماعًا , وذهب الإمام الطبري إلى أنه لا يضر مخالفة الواحد والاثنين , والصحيح مذهب الجمهور؛ وذلك لأن الأدلة التي دلت على عصمة الأمة , إنما دلت على عصمة الأمة ماداموا مجتمعين، أما إذا تفرقوا فالخطأ يمكن أن يتطرق للكثير منهم كما يتطرق للواحد والاثنين، فإذن هذا لا يسمى إجماعًا , ولكن ذلك لا يمنع أن يكون قول الأكثر من المرجحات عند تعادل الأدلة في نظر المجتهد، كما أنه من المرجحات عند العاميّ ومن يلحق به من صغار طلاب العلم، ولهذا فلا يُستنكر على العالم تهيبه من مخالفة مذهب جماهير العلماء إلا إذا وجد نصا صريحا واضحا على خلاف قولهم، ومن النادر جدا أن يوجد دليل صحيح صريح يخالفه جمهور العلماء.