فهرس الكتاب
قال المصنف: (وَالإِجْمَاعُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِمْ وَبِفِعْلِهِمْ، وَبِقَوْلِ الْبِعْضِ وِبِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَانْتِشَارُ ذَلِكَ وَسُكُوتُ الْبَاقِينَ عَنْهُ) .
هذا المقطع يتعلق بكيفية انعقاد الإجماع , فبين المصنف أن الإجماع ينقسم إلى قسمين:
الأول: الإجماع الصريح , ويسمى الإجماع النُّطقي , وهذا يكون بأن يتفق جميع العلماء ويفتوا في المسألة بالوجوب أو بالتحريم , وهذا القسم نوعان:
(1) أن يُصرّح المجمعين بالإجماع , وهذا النوع قليل الوجود.
(2) أن يكون الإجماع بالفعل , فيجمعون على فعل شيء أو فُعل أمامهم وأقروه ولم ينكروه , وذلك كإجماعهم على جواز دخول الحمام من غير تقدير أجرة ومن غير معرفة بكمية الماء المسكوب ومن غير تقدير مدة البقاء في الحمام.
الثاني: الإجماع السكوتي: وهو أن يقول بعض العلماء قولًا أو يفعل فعلًا ويشتهر بين العلماء ولا يوجد من ينكره عليه.
وعُدَّ إجماعًا؛ لأن العلماء من عادتهم أن لا يسكتوا عن بيان الحق والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) فإذن الأمة لا يمكن أن تسكت جميعها عن قول الحق.
-بعض العلماء لا يَعُدّه إجماعًا، ونُقل ذلك عن الشافعي أنه قال: لا ينسب إلى ساكت قول، فإذا كان أكثر العلماء سكتوا فلا نقول أجمعوا، لكن الشافعي نفسه قال: السكوت في معرض الحاجة إلى البيان يكون بمثابة البيان، فإذا ثبت أنه قد أفتى بعض العلماء في مسألة بحكم معين وانتشر هذا الحكم , فحينئذٍ يعُدّ إجماعًا , أما إذا لم ينتشر كما لو أفتى به في قريته ولم يسمع به بقية أهل البلدان ولم ينتشر ذلك , فلا نعُدّ سكوتهم إجماعًا؛ لأنهم ربما لم يعلموا.
-أيضًا يقولون: نحن لا نعرف سبب سكوت العالم , فلعله سكت خوفًا مثلًا من سطوة سلطان، أو ما أشبه ذلك فلا نعد سكوته بمثابة الموافقة، وهذا ينبغي أن يكون في الحسبان؛ لأننا إذا عرفنا أنه إنما سكت خوفًا فلا نعد سكوته موافقة.
أما إذا سكت الجميع ولا نعرف سببًا لسكوتهم، فنقول: إن سكوتهم كان للموافقة ويكون هذا إجماع.
والحقيقة أن أكثر الإجماعات هي من هذا القبيل , أن يتكلم بعض العلماء في المسألة ويفتوا فيها بحك ثم يسكت البقية ولا ينقل عنهم قول مخالف.
والمصنف يميل إلى أن قول البعض أو فعل البعض مع سكوت الباقين يكفي لانعقاد الإجماع، خلافًا لما نقله كثير من أئمة الشافعية عن الشافعي.
حجية قول الصحابي:
قال المصنف: (وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنَ الصّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَفِي الْقَوْلِ الْقَدِيمِ حُجَّةٌ) .
المقصود بالصحابي عند الأصوليين: الصحابي الفقيه الذي اشتُهر أن له اجتهادًا وله آراء فقهية معروفة والمراد بقول الصحابي هنا: هو ما قاله الصحابي أو فعله اجتهادًا، ولم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
* المحدثين يُعرِّفُون الصحابي بأنه: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو مرة وهو مؤمن به ومات على ذلك , ولكن المحدثين يتكلمون عن الصحابة الذين يروون الأحاديث أي: لكي نثق بروايته وعدالته , فيكفي أن يكون رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو مرة واحدة وهو مؤمن به , وأما الأصوليون: فليس الصحابي عندهم من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط , وإنما مرادهم الصحابي الفقيه المجتهد، وهذا لا يكون إلا في حق من طالت صحبته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اكتسب منه العلم والفقه، فإن الرؤية مرة واحدة لا تكسبه علمًا وفقهًا.
قوله: (ليس بحجة على غيره على القول الجديد) أي أن الشافعي له قولان معروفان عند علماء مذهبه، قول يسمونه القول القديم، والثاني يسمونه القول الجديد، ولم يبق من القول القديم إلا أقوال يسيرة مازال يعمل بها عند الشافعية ولكن أكثر العمل عندهم على القول الجديد ,