فهرس الكتاب
وهذا دليل على تطور الاجتهاد , وأن المجتهد قد يغير أقواله وآراءه السابقة تبعا لما يَجِدُّ من المعطيات والحوادث.
فالشافعي قوله في القديم: أن قول الصحابي حجة، وفي الجديد: يرى أنه ليس بحجة على غيره.
وهذا القولان هما محل خلاف بين العلماء، والخلاف منحصر في (قول الصحابي في الأمور الاجتهادية التي للرأي فيها مجال ولم يرفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يخالفه أيضا فيه أحد , ولم ينتشر قوله) , لأنه لو انتشر ولم يعرف له مخالف أصبح معدودًا من الإجماع السكوتي.
ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم , يرون أن قول الصحابي حجة في هذه الحالة , بينما خالفهم الشافعي في القديم وذهب إلى أنه ليس بحجة.
والراجح أن قول الصحابي لا يكون حجة مستقلة عن النصوص، ولكن يمكن أن يُتَّبع قول الصحابي ويُقَلَّد إذا لم يعرف له مخالف، ولم يكن في المسألة أدلة قوية كالقياس وغيره
* يخرج من محل الخلاف: قول الصحابي في الأمور التي لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، كأمور العبادات وأمور الغيب، فهذا حكمه حكم المرفوع للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يمكن للصحابي أن يقول قولًا اجتهادًا من نفسه في أمور لا مجال للاجتهاد فيها.
مثال ذلك: كصفة الوضوء، فلو توضأ الصحابي مثلًا وضوءًا معينًا فهذا الوضوء لابد أن يكون رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله؛ لأن الوضوء أمر تعبدي لا اجتهاد فيه.
الأخبار
قال المصنف:(وَأَمّا الأَخْبَارُ: فَالْخَبَرُ: مَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: آحَادٍ وَمُتَوَاتِرٍ:
فَالْمُتَوَاتِرُ: مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ لا يَقَعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ مِنْ مِثْلِهِمْ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ , وَيَكُونُ فِي الأَصْلِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ لا عَنْ اجْتِهَادٍ.
وَالآحَادُ: هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلا يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى: مُرْسَلٍ وَمُسْنَدٍ:
فَالْمُسْنَدُ: مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ. وَالْمُرْسَلُ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ. فَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ حُجَّةً إَلاَّ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ فَإِنَّهَا فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مَسَانِيدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَالْعَنْعَنَةُ تَدْخُلُ عَلَى الأَسَانِيدِ).
باب الأخبار من الأبواب التي يعقدها الأصوليون ويتكلمون تحتها عن تعريف الخبر، وعن أقسامه، وتعريف كل قسم، ثم ينتقلون من هذا إلى الحديث عن الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي المقصود الأعظم لهم؛ لأن السنة هي الدليل الثاني بعد القرآن الكريم، ولكنهم عادة يعبرون بلفظ الأخبار ليكون التعبير أشمل.
فالخبر يشمل الخبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والخبر عن الصحابة، وعن التابعين، وعن غيرهم أيضا.
قوله: (ما يدخله الصدق والكذب) ، هذا تعريف الخبر , أي أنه الكلام الذي يحتمل الصدق والكذب، كقولك: قام زيد , فيحتمل أن يكون صدقًا أو يكون كذبًا.
* هذا التعريف يكثر وجوده في كتب الأصول، ولكنّ كثير من المحققين منهم، يقولون: لابد من زيادة كلمة (لذاته) , ومعنى لذاته أي بالنظر إلى الخبر نفسه، مجردًا عن النظر إلى القائل