فهرس الكتاب
أو المتكلم بهذا الخبر أو إلى ما هو حاصل وواقع في الخارج؛ وذلك لأن هناك من الأخبار ما لا يمكن أن يقال لقائلها إنك كاذب، أو يُقال له إنك صادق، وذلك مثل خبر الله - عز وجل - , وخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - , فلا يجوز لنا أن نُكذِّبها , كذلك من الأخبار ما لا يمكن أن يكون صدقًا، كالذي يُخبر عن خلاف الواقع، فلا يمكن أن يكون خبره صدقًا، كما لو قال واحد مثلًا: الواحد ثُلُث الاثنين، فهذا الكلام لا يحتمل الصدق، إلا بالنظر إلى ذاته فقط، بغض النظر عن واقع الأمر، لكن ما تقرر في الواقع يرُدُّ هذا الخبر.
وهذا القيد جيء به لإدخال بعض أفراد المُعَرَّف وليس للإخراج، أي أن كلمة (لذاته) جيء بها حتى يدخل الخبر الذي نجزم بصدقه أو نجزم بكذبه، إما بالنظر إلى قائله، وإما بالنظر إلى مطابقته للواقع وعدم مطابقته.
أقسام الخبر:
ثم انتقل المصنف بعد التعريف إلى تقسيم الخبر فقسمه إلى قسمين متواتر وآحاد، هذا التقسيم هو الذي جرى عليه أكثر العلماء، ولكن من العلماء من قسمه إلى ثلاثة أقسام، وبخاصة فيما يتعلق في الأخبار عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - , فقَسّمُوه إلى متواتر، ومشهور، وآحاد، وهذه طريقة علماء الحنفية.
أولا: المتواتر: قال المصنف: (هو ما يوجب العلم) ، وهذا في الحقيقة بيان لحكم الخبر المتواتر, أي أنه يفيد العلم القطعي أو العلم الضروري.
أما تعريفه فقد نقل المصنف التعريف الذي يذكره المحدِّثون، وهو: (أن يروى جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد) , فقوله: (لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم) أي لكثرتهم , وقوله: (من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه) أي في كل طبقة من طبقات السند، وقوله: (ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع) أي أسندوه إلى شيء محسوس، بأن قَالُوا: سمعنا أو رأينا، وقوله: (لا عن اجتهاد) أي لو أن قائلًا نَقَل عن جماعة كثيرة أنهم قَالُوا: الحكم في هذا الشيء كذا، فهذا لا يُعدّ من المتواتر؛ لأنه ليس بخبر وإنما توصلوا إليه بالاجتهاد.
أقسام المتواتر:
(1) المتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه.
مثاله: قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (من كَذَبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مَقعده من النار) ، فهذا الحديث رواه أكثر من سبعون صحابيًا , ثم استمرت هذه الكثرة - بل زادت - في باقي طبقات السند.
(2) المتواتر المعنوي: هو ما تواتر معناه دون لفظه.
مثاله: أحاديث رفع اليدين في الدعاء. فقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - نحو مائة حديث , كل حديث منها فيه أنه رفع يديه في الدعاء , لكنها في قضايا مختلفة , فكل قضية منها لم تتواتر، والقَدر المشترك بينها ـ وهو الرفع عند الدعاء ـ تواتر باعتبار مجموع الطرق.
* يوجد عدد لا بأس به من الأحاديث المتواترة، منها حديث الحوض، وحديث المسح على الخفين، وحديث رفع اليدين في الصلاة وحديث (نضر الله امرأً) ، وغيرها كثير، لكن لو نظرنا إلى عدد أحاديث الآحاد لوجدنا أن الأحاديث المتواترة قليلة جدًا بالنسبة إليها.
ثانيًا: الآحاد: قال المصنف: (هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم) ، هذا أيضًا بيان لحكم الآحاد , أنه لا يفيد العلم القطعي، وإنما يُوجب العمل بهذا الخبر.
أما حدّه فيمكن أن يعرّف: بما رواه واحد أو اثنان أو أكثر ولم يبلغوا عدد التواتر.
ولكن عدد التواتر غير محدد بعدد معين، وكل من حدده من أهل العلم , فهو اجتهاد منه ليس عليه دليل.
فمنهم من حدّه بأكثر من نصاب الشهادة، وهو أربعة شهود كما في نصاب الشهادة في حد الزنا، فما زاد عليه فهو المتواتر، كخمسة فأكثر.
ومنهم من حده بعدد النُقباء، الاثنى عشر.
ومنهم من حده بعدد أهل بدر (ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا) .