فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 78

وكل هذه الأقوال لم يرتضها المحققون , فكلها تخرُّصات ليس عليها دليل؛ فلهذا رجع كثير من العلماء إلى أن يقال إن الخبر المتواتر هو الذي يفيد العلم القطعي، والآحاد هو الذي يفيد الظن.

* لكن لماذا قال عن خبر الآحاد أنه يوجب العمل دون العلم؟ وذلك لأن العلم لا يستفاد إلا بأدلة قطعية لا يمكن أن تكون على خلاف الواقع بحال من الأحوال، وأما العمل فإنه يكفي فيه غَلَبَة الظن وهذا بإجماع المسلمين والحمد لله.

وإذا استعرضنا أمور الشريعة نجد أن أحاديث الآحاد مقبولة كما في شهادة المرأة القابلة (التي تتلقي الولد عند ولادته) إذا شهدت أن الصبي قد استهل مثلًا، ونجد أيضًا أن شهادة الاثنين مقبولة في الدماء وفي الأموال , وإن كانت لم ترتفع إلى حد التواتر؟، ومع هذا قبلوها بإجماع، فيمكن أن يُقتل القاتل إذا شهد عليه اثنان بالقتل , وهكذا في بقية الأحكام والحدود المبنية على الشهادة.

حجية خبر الآحاد:

حجية خبر الآحاد اتفق عليها الأئمة الأربعة والحمد لله، ولا خلاف بينهم في حجية هذا الخبر وفي وجوب العمل به، والأدلة على حجية خبر الآحاد كثيرة , وفي مقدمتها:

-إجماع الصحابة على ذَلِكَ، فإن الصحابة أجمعوا على قبول خبر الواحد، ويدل على إجماعهم وقائع متعددة:

(1) أن أبا بكر - رضي الله عنه - جاءته الجدة تسأل ميراثها، فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا؛ (لأن آيات المواريث لم تذكر للجدة شيئًا) , ولا أعلم لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فجاءه المغيرة بن شعبة، وشهد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى للجدة بالسدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة , فأنفذه لها أبو بكر أي قضى لها بالسدس , وكان هذا على مسمع ومرأى من الصحابة وأصبح هذا الحكم هو المحكوم به وهو المعمول به إلى يومنا هذا، فهذا إجماع من الصحابة على قبول خبر الواحد.

(2) في أخذ الجزية من المجوس قبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف، حينما سأل عمن وجد شيئًا في ذَلِكَ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه عبد الرحمن بن عوف فشهد عنده بذلك.

(3) توريث عمر بن الخطاب المرأة من دية زوجها بخبر الواحد , وذلك حينما قال له الضحاك الكلابي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب له أن يورِّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.

(4) في مسألة دية الجنين , إذا قُتِل الجنين وسقط، فعلى القاتل غُرَّة (قيمة) عبد أو أمة، فلم يكن عمر يعرف هذا الحديث حتى رواه له معقل بن سنان.

(5) أن الصحابة في قباء كانوا يصلون فجاءهم من أخبرهم عن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فاستداروا وهم في صلاتهم حتى اتجهوا إلى الكعبة وأكملوا صلاتهم إلى جهة الكعبة، وكان المخبر لهم واحدًا , فهذا دليل على أن الأمر كان مستقرًا عندهم ودليل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على العمل بخبر الواحد , ولم ينكر عليهم ذلك.

-من الأدلة أيضًا: بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - آحاد الناس؛ لإرشاد أهل البوادي وأهل البلاد البعيدة ويكتب معهم الكتاب فيعمل به مع أن حامل الكتاب واحد.

فهذا كله دليل على حجية خبر الآحاد، وهو محل إجماع والحمد لله، واتفق عليه الأئمة الأربعة، ولا فرق في ذَلِكَ بين أن يكون خبر الآحاد في الأمور الفقهية العملية أو في أمور الاعتقاد من حيث العمل به، فيعمل به سواءً كان اعتقادًا أو عملًا فقهيًا.

* من أنكر خبرًا معينًا من أخبار الآحاد؛ لكونه مثلًا معارضًا لظاهر القرآن أو لظاهر سنة أخرى , أو لشكه في كون الرواة لم يكونوا عدولًا أو منهم من ليس بعدل , فهذا لا يُكَفَّر، بخلاف منكر الخبر المتواتر (المعلوم من الدِّينِ بالضرورة) , فهذا يُكَفَّر.

ثالثًا: المشهور عند الحنفية: هو ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واحد أو اثنان ثم تواتر في عصر التابعين أو تابعي التابعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت