فهرس الكتاب
مثاله: ما أخرجه البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جُبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور.
فهذا الحديث صحيح وسنده متصل , وأما العنعنة فهي محمولة على الاتصال؛ لأن رواته غير مدلسين، فمالك إمام حافظ، وابن شهاب الزهري فقيه حافظ متفق على جلالته وإتقانه، ومحمد بن جبير ثقة.
قال المصنف: (وَإِذَا قَرَأَ الشَّيْخُ يَجُوزُ لِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، وَإِذَا قَرَأَ هُوَ عَلَى الشَّيْخِ فَيَقُولُ: أَخْبَرَنِي، وَلا يَقُولُ: حَدَّثَنِي، وَإِنْ أَجَازَهُ الشَّيْخُ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَيَقُولُ أَجَازَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً (.
هذا المقطع جعله المصنف في طرق أداء الحديث بالنسبة لمن بعد الصحابة؛ لأن الحديث فيه تحمل وأداء، التحمل معناه: سماع الحديث، والأداء معناه: أن يُخبر المُحدِّث بما سمعه , فهذا المقطع في بيان الألفاظ التي ينبغي أن يتبعها المحدث في رواية ما تحمله من الحديث، ولكنه خاص بمن بعد الصحابة.
أما الصحابة فقد ذكر الأصوليون طرقهم في أداء ما تحملوه أو ما سمعوه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وطرقهم في التحمل بعضها أقوى من بعض، أي على مراتب عدة:
المرتبة الأولى: أن يقول الصحابي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا، فهذا لا يحتمل إلا أنه رآه أو سمعه.
المرتبة الثانية: أن يقول الصحابي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فهذا يحتمل أن يكون سمعه عن صحابي آخر، فهو أقل من الأول.
المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، أو نهانا عن كذا، ولم يذكر لفظه.
المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا، هذا أقل من الذي قبله لاحتمال أن يكون الآمر أحد الخلفاء الراشدين، وليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي من السنة كذا.
فهذه مراتب الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قِبَل الصحابة.
أما ما ذكره المصنف هنا فهو يتعلق بمراتب الرواية عمّن دونهم.
المرتبة الأولى: (وَإِذَا قَرَأَ الشَّيْخُ) إذا قرأ المحدث على تلاميذه أو على تلميذه النص فيحق للتلميذ فيما بعد (أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي) ، إذا كان الشيخ هو الذي يقرأ، والتلاميذ يسمعون فالتلميذ إذا أراد أن يخبر يقول: حدثني أو أخبرني، وهذه أعلى المراتب وأقواها.
المرتبة الثانية: أن يقرأ التلميذ نفسه والشيخ يسمع، فإذا أخطأ يصحح له، هذه هي المرتبة الثانية، إذا قرأ هو على الشيخ فيقول: أخبرني ولا يقول حدثني، إذا كان التلميذ هو القارئ.
وجُعلتَ عبارة أخبرني أخفض رتبة؛ لأن قوله حدثني فيه كذب، فهو لم يحدِّثه، وأما قوله أخبرني فسكوته وإقراره بمثابة الإخبار.
هناك من العلماء من قال: لا يجوز في هذه الحالة أن يقول حدثني ولا يقول أخبرني إلا بأن يضيف كلمة (قراءة عليه) , فيقول: حدثني قراءة عليه، أو أخبرني قراءة عليه، حتى لا يلتبس الأمر بالحالة الأولى التي هي أقوى وهو أن يكون الشيخ هو القارئ؛ لأن الشيخ إذا قرأ يكون أضبط لما يقرأ، أما إذا كان القارئ التلميذ فيحتمل أن يغفل الشيخ في بعض الأحيان فلا يُصحح له ما أخطأ فيه.
المرتبة الثالثة: الإجازة , وهي أن يأذن الشيخ للتلميذ أن يروي عنه ما رواه، كأن يقول له: أجزت لك أن تروي عني صحيح البخاري , فيقول التلميذ: أجازني، أو أخبرني إجازة، وهذا ممكن وإن كان التلميذ لم يقرأه عليه، ولكن الشيخ تأكد من نجابة هذا التلميذ وأنه لن يُحرِّف ولن يُصحِّف فيما هو مكتوب، وإن قال التلميذ: حدثني وسكت، أو أخبرني وسكت، فإن هذا من باب الكذب، فلابد أن يقول: أجازني أو أخبرني إجازة.