فهرس الكتاب
(2) قول علي - رضي الله عنه - حين استشاره عمر في عقوبة شارب الخمر: أرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى , وحد المفترى ثمانون.
رابعًا: العقل:
ومن دلالة العقل على ذلك أن النصوص الشرعية لا يمكن أن تأتي على جميع الوقائع والصور وتبين أحكامها، فهذا يدل على أن بعض الأحكام بُيِّنت بالنص، وبعضها بين بطريق معنى النص؛ لأن القياس هو رجوع إلى النص أو هو معقول النص؛ ولهذا فإن الغزالي وكثيرًا من المحققين يقولون: ليس القياس دليلا عقليًا وإنما هو دليل نقلي؛ لأنه معقول النص ومعناه، فحينما يأتي النص على تحريم الخمر، ونعرف أنها إنما حرمت لأجل ما فيها من تغطية العقل وإضعاف الإدراك، فإننا نلحق جميع ما يكون هذا شأنه بها في التحريم، وإن لم نفعل ذلك نكون متناقضين، ويكون الشرع حينئذ متناقضًا ولا شك أن الشرع معصوم، ولا يمكن أن يكون متناقضًا.
أقسام القياس:
قال المصنف: (فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ , وَقِيَاسُ الدَّلالَةِ: هُوَ الاسْتِدْلالُ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ وَلا تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ , وَقِيَاسُ الشَّبَهِ: هُوَ الْفَرْعُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ أَصْلَينِ، وَلا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ مَا قَبْلَهُ) .
أولًا: قياس العلة: وهو (ما كانت العلة فيه موجبة للحكم) أي ما قطعنا فيه بإلحاق الفرع بالأصل؛ وذلك لأن العلة موجبة للحكم.
-هذه العلة الموجبة للحكم قد تكون من باب مفهوم الموافقة، ويسميه الشافعية (قياس الأولى، أو القياس الجلي) .
مثاله: قياس حرمة ضرب الوالدين على حرمة التأفف منهما، في قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} فنهى - عز وجل - عن التأفف منهما؛ فمن باب أولى يكون الضرب أيضًا منهي عنه , فالعلة فيه (الإيذاء) دالة على الحكم قطعًا.
-العلة الموجبة للحكم قد تكون منصوص عليها نصا.
مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) , فقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إنها من الطوافين والطوافات) بيان لعلة الحكم (كونها من الطوافين، وصعوبة التحرز منها) , فإذا وجدنا نفس العلة في شيء آخر انتقل الحكم بالتالي إليها , فكل ما يطوف علينا من الدواب والحشرات ويصعب التحرز منه ليس بنجس قياسًا على الهرة، كالفأرة مثلًا , فالأصل أنها ليست بنجسة، بل هي طاهرة ما لم تتنجس بعارض آخر قبل الولوغ في الطعام أو الشراب.
* الحقيقة أن قياس العلة أوسع من هذا , فكل ما صُرِّح فيه بالعلة سواءً نص عليها الشرع أو استنبطها المجتهدون يسمى عند أكثر الأصوليين قياس علة، لكن المصنف هنا كأنه أراد أن يَخُصَّ قياس العلة بالقياس الجلي (قياس الأولى) , أو القياس المنصوص على علته.
ملحوظة: جمهور العلماء لا يُقِرُّون القول بأن العلة موجبة للحكم؛ لأن الذي أوجب الحكم هو الله - عز وجل - , والعلة إنما هي كاشفة ومُعرِّفة للحكم فقط، وليست هي الموجبة أو المُوجدة للحكم؛ ولهذا أيضًا لا يستحسنون تعريف المعتزلة لها بأنها الباعث على الحكم؛ لأن الشرع لا يوجد فيه شيء يبعثه على أن يُشرع هذا الحكم؛ فلهذا عبروا عنها كثيرا بالعلامة أو بالمُعَرِّفْ.
بعض العلماء أتى بتعريف وسط بين تعريف أهل السنة والمعتزلة فقال: «هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بُني عليه الحكم وجودًا وعدمًا» ، أي أنه جعل الحكم مرتبطًا به , إن وُجد وُجد الحكم، وإن انعدم انعدم الحكم.
ثانيًا: قياس الدلالة: هو (الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر) , وهذا التعريف عند كثير من الأصوليين هو أحد أنواع قياس الدلالة، وقد يكون هو أشهرها وأكثرها تداولًا.
مثاله:
(1) قياس صحة ظهار غير المسلم على صحة طلاقه , فلو قال النصراني لزوجته: أنتِ علي كظهر أمي , انعقد الظهار منه؛ كما انعقد منه الطلاق.