والمتفق عليها، كل من عرف الإسلام يعرف هذه الأسس وهذه الأحكام , بحيث أنه لا يحتاج إلى نظر واستدلال لمعرفتها، فهذه أخرجها المصنف عن الفقه، أو عن حد الفقه وعن مسمى الفقه.
ملحوظة:
(1) تعريف الفقه عند المتقدمين من كبار الأئمة والتابعين كان أوسع من هذا التعريف ,
فمن التعريفات المشهورة عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: (الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها) وهذا واسع يشمل الأحكام الشرعية الإعتقادية والأحكام الشرعية العملية، أو الأصول والفروع كما يسميها البعض فهو يشمل الجميع , لكن بعد تطور العلوم وتمايزها ومعرفة أن هذا علم خاص بعلوم الاعتقاد واسمه علم التوحيد مثلًا وهذا علم اسمه علم الفقه أصبح كل أهل علم يحدونه ويضعون له تعريفًا يخصه ويخرج غيره منه.
(2) من قام بتعريف الفقه ووضع له حدا منهم من وسعه فجعله يشمل جميع الأحكام الشرعية العملية سوءًا كانت مما ثبت قطعًا بأدلة قطعية أو ثبت ظنا بأدلة ظنية , ومنهم من ضيقه قليلًا وقال: لا نطلق اسم الفقه إلا على ما ثبت بالاجتهاد يعني على المسائل الاجتهادية التي ليس الدليل فيها واضحًا جليًا أي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة , أما الأحكام التي هي قطعية الثبوت وقطعية الدلالة فهذه يشترك فيها الكل ... ولا نسمي من يعرفها فقيهًا؛ ولهذا هي ليست هي الفقه الذي نريد تعريفه؛ لأننا نريد تعريف علم الفقه الذي من عرفه سُمي فقيها فليس من عرف أن الصلاة واجبة وأن الصوم واجب وأن الصوم هو شهر رمضان وأن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة لا يسمى فقيهًا فمن عَرَفَها عند العلماء من أهل الفقه لا يسمونه فقيهًا وإنما هو مُقلد.
قال المصنف (رحمه الله) :
(وَالأَحْكَامُ سَبْعَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمُبَاحُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ وَالْبَاطِلُ.
فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْمُبَاحُ: مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ).
بعد أن عَرَّف المصنف الفقه بأنه (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) وجد أنه قد جاء في التعريف لفظ الأحكام، ويحتاج إلى أن يعرفها؛ لأن عادة العلماء أنهم يبدءون بتعريفات للمصطلحات التي ستأتي فيما بعد؛ لأجل إذا مر هذا المصطلح لا يتساءل الطالب أو القارئ ويقول: ما معنى هذا المصطلح؟ ويُشْكل عليه فهم العبارة؛ فلما جاء في تعريف الفقه لفظ الأحكام اضطر إلى أن يعرف الأحكام، فبدأ بالكلام عن الأحكام الشرعية.
المصنف هنا جعلها كلها تقسيمًا واحدًا فقال: (الحكم سبعة أقسام: الْوَاجِبُ، وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ) فالخمسة الأولى: تسمى الأحكام التكليفية وما بعدها يسمى أحكامًا وضعية , ولكن لم يكتفي عامة الأصوليين بالصحيح والفاسد في الأحكام الوضعية وإنما ذكروا معه أيضًا السبب والشرط والمانع.
ثم شرع المصنف في تعريف الأحكام الشرعية، فبدأ بتعريف الواجب فقال: (الواجب: ما يُثاب على فعله ويعاقب على تركه)
والمعنى أن أي فعل قد ورد في الشرع أن من فعله يُثاب على فعله ومن تركه يعاقب على تركه فهذا هو الواجب , فهو ذكر وصفين لابد منهما:
الأول: أن من فعله يستحق الثواب.
الثاني: أن من يتركه يستحق العقاب.
مثال الواجب: وجوب الصلاة , دل عليها قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} فأمر بها والأمر يقتضي الوجوب.