وبهذا يظهر أن أكثر من نصف هذه الأحاديث قد توبعت من طرق أخرى ، فلاعتماد إذًا ليس على رواية هذا المتروك ، وإنما على الطريق الآخر الصحيح .
كما أن الأحاديث التي تفرد بها هؤلاء المتروكون لا تدل بالضرورة على أنها موضوعة ، فإن لفظ
"الموضوع"يطلق ويراد عند أكثر المحدثين على أحد معنين (1) :
المعنى الأول: يراد به المختلق المصنوع الذي تعمَّد وضعه راويه الكذّاب ، وليس في هذه الأحاديث التي تفرد بها هؤلاء المتروكون منها شيء .
(1) ينظر: المصعد الأحمد لابن الجزري ص35 ، والنكت على ابن الصلاح لابن حجر 1/473 ، وكتاب الوضع في الحديث للدكتور عمر بن حسن فلاتة 1/108 .
ص339
والمعنى الثاني: يطلق على ما يعلم انتقاء خبره ، وأن الحديث لا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب ، بل أخطأ فيه ، فإن أهل الحديث لا يشترطون في الحكم على الحديث بالوضع أن يكون في إسناده راو كذاب أو متهم بالكذب ، وإنما إذا احتفت بالحديث قرائن كأن يكون فيه مخالفة للعقل والنقل ، وأنه ممن يشهد القلب ببطلانه ، ترجح عند الناقد أن يكون مكذوبًا باطلًا ، وإنما حصل هذا الخطأ لكون راويه لم يكن حافظًا لروايته ، فوقع في مثل هذا الخطأ وهمًا لا تعمدًا ، وهذا موجود في بعض الأحاديث المذكورة .
ويبقى بعد ذلك أحاديث قليلة جدًا رواها مَن اتهموا بالكذب ، ولا تُعرف إلا من طريقهم ، وقد حَكم عليها بعض العلماء بالوضع أو النكارة ، فقد قال الذهبي: وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ، ولكنها نقطة في بحر (1) ، وقال العراقي: فيه أحاديث ضعيفة كثيرة ، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة (2) ، وتقد قول ابن كثير: فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة ، كأحاديث مرو ، وشهداء عسقلان .
قلت: ومنها أيضًا حديث الأوعال ، والتعمير .
ثالثًا: يصنف الرواة المتروكون في المسند على الأنواع التالية: