رُويتْ أحاديث كثيرة في تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحثه على التواضع , فمن ذلك ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس على الأرض, ويأكل على الأرض , ويعتقل الشاة , ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير" (1) .
فهكذا كان - صلى الله عليه وسلم - في تواضعه في حياته الاجتماعية ولم يكن كزعماء فارس والروم في زخرفهم ومظاهرهم في الجلوس والأكل , أما حلب الشاة فإنه مظهر من مظاهر التواضع الكبير, لأن الكبراء لا يفعلون ذلك , وكذلك إجابة دعوة المماليك ونحوهم من الفقراء.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يأكل متكئا ولا يطأ عقبه رجلان" (2) .
فهذا الحديث يشتمل على صفتين من صفات التواضع.
الأولى: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يأكل متكئا , وأكل الإنسان وهو متكئ له سلبيات , منها أن الاتكاء من جلسات الراحة , والإنسان وهو يأكل من نعمة الله تعالى ينبغي له أن يتواضع حتى يكون شاكرًا لله جل وعلا على نعمته , ومنها إن الإنسان قد يتضرر من الأكل وهو متكئ , لأنه يفقد الاعتدال في الجلسة الذي يجعل مجرى الطعام غير طبيعي , ولذلك قد يَشْرق الإنسان بالماء إذا شربه وهو متكئ.
الثانية: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يطأ عقبه رجلان , بمعنى أنه لم يكن يأذن للناس أن يمشوا خلفه , فهذا من تواضعه الجم , فلو أنه أذن للصحابة رضي الله عنهم أن يتبعوه لمشى أكثرهم خلفه احتراما له وتعظيما , ولكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لما يعلمون من كراهيته إياه.
(1) صحيح الجامع الصغير رقم 4791.
(2) صحيح الجامع الصغير رقم 4716.