ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخيط ثوبه , ويخصف نعله , ويعمل مايعمل الرجال في بيوتهم" (1) .
فهذه أمثلة من تواضعه - صلى الله عليه وسلم - , حيث يقوم بشؤونه في البيت بنفسه مع كثرة مشاغله والتزاماته, ومن صفات العظمة في الرجل أن لاتشغله الأمور الكبيرة عن الأمور الصغيرة.
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ الترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله على رؤوس الخلائق, حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها".
وقوله"من أي حلل الإيمان"قال أبو عيسى الترمذي: يعني مايعطَى أهل الإيمان من حلل الجنة (2) .
فهذا الحديث فيه ترغيب عظيم في التواضع في اللباس , ببيان ماسيحظى به المتواضع من ثواب جزيل في الجنة , وأن الثمن الذي يقدمه المسلم لشراء تلك السلعة الغالية هو أن يترك اللباس الفاخر وهو يملك ثمنه تواضعا وزهدًا في مظاهر الدنيا , فما أسهل الثمن وما أعظم المثمن!!
ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود رحمهما الله من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إن الله تعالى أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لايفخر أحد على أحد , ولايبغي أحد على أحد" (3) .
فقد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتواضع للمؤمنين , وذكر نتيجتين من نتائج الكبر , الأولى الفخر بأمور الدنيا كالنسب والمال والجاه , والثانية البغي والاعتداء على الناس, والاتصاف بالتواضع يمنع المسلم من الوقوع في تلك المفسدتين المترتبتين على الكبر.
(1) صحيح الجامع الصغير رقم 4813.
(2) سنن الترمذي , رقم 2481 , كتاب صفة القيامة باب 29 (4/650) .
(3) صحيح مسلم , رقم 2865 , كتاب صفة الجنة (ص2199) سنن أبي داود , رقم 4895 , كتاب الأدب و باب في التواضع.