الصفحة 48 من 62

فهذا تسامح كبير من أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه , حيث عفا عمن أراد قتله, والعفو عند المقدرة صفة من صفات الكمال في الرجال , وهو دليل على التجرد من حظِّ النفس, وتقلص الأنانية , وبروز خلق الإيثار , وضعف الارتباط بالدنيا , وقوة الارتباط بالآخرة.

وهذا الخلق إضافة إلى أنه عمل صالح يرفع من درجات صاحبه في الآخرة فإنه سياسة حكيمة في الدنيا , إذ أن هذا الرجل الذي أراد الاعتداء لو أنه قُتِل أو عوقب عقوبة بليغة لربما أحدث فتنة بإيغار صدور أفراد قبيلته واستعدادهم للانتقام إذا سنحت لهم الفرصة , لكن العفو عنه يجعل أفراد قبيلته وأبناء بلده يعذلونه ويعنفونه على ماحاول الإقدام عليه, وبذلك تنطفئ الفتنة قبل تصاعدها , ويكسب صاحب العفو قلوب الناس وولاءهم.

من مواقف أبي هريرة رضي الله عنه:

من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية الإمام أحمد بإسناده: أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت لهم زنجية قد غمتهم بعملها,فرفع عليها يوما السوط ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشينَّك به,ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك أحوج ماأكون إليه,اذهبي فأنت حرة لله عز وجل (1) .

وهكذا يوازن أبو هريرة رضي الله عنه بين قدرته على تلك الخادمة وقدرة الله تعالى عليه, فيفضل اتقاء سخط الله سبحانه وعذابه على تنفيذ مقتضى سخطه هو,فيتورع عن عقوبة تلك الخادمة ويحسن إليها بدلا من إساءتها بإعتاقها لوجه الله عز وجل, وبهذا يكون قد جمع بين عدد من الأعمال الصالحة.. خشية الله تعالى , والعفو عن المسيء , والإحسان إليه وهذا يبين لنا عمق تصور الصحابة رضي الله عنهم للحياة الآخرة , واستحضارهم رقابة الله تعالى وسعيهم الحثيث لبلوغ رضاه.

توجيهات ومواقف في الحلم والعفو

من مواقف معاوية رضي الله عنه:

(1) البداية والنهاية 8/112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت