فهرس الكتاب
لقد كان اهتمام العلماء بالعلم يصل أحيانًا إلى حد الانشغال به عن بعض نوافل العبادات, ومن أمثلة ذلك مارواه عبد الله بن الإمام أحمد قال: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي, فكان كثير المذاكرة له , فسمعت أبي يوما يقول: ماصليت غير الفرض , استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي (1) .
وهذا يفيد بأن مذاكرة العلم والاشتغال به أفضل من نوافل العبادة والمقصود بذلك النوافل المطلقة , أما المقيدة بأوقات محددة فلا ينبغي تركها , وإنما كان الاشتغال بالعلم أفضل من نوافل العبادة المطلقة لأن العلم يتعدى نفعه للمسلمين بخلاف نوافل العبادة فإن نفعها يقتصر على فاعلها, والمقصود بالعبادة هنا المعنى الاصطلاحي الشائع وهو إطلاق ذلك على الشعائر التعبدية وإلا فإن العبادة تشمل جميع الأعمال الصالحة .
وقد يغلب على العلماء خاطر الاشتغال بالعلم فيشغلهم حتى عن نوافل الوقت المحددة كما جاء في خبر عن الحافظ إسحاق بن راهويه قال: كنا عند عبد الرزاق أنا وأحمد بن حنبل , فمضينا معه إلى المصلَّى يوم عيد فلم يكبِّر هو ولا أنا ولا أحمد , فقال لنا: رأيتُ معمرًا والثوريّ في هذا اليوم كبَّرا وإني رأيتكما لم تكبرا فلم أكبر فلِمَ لم تكبرا ؟ قلنا: نحن نرى التكبير ولكن شُغِلنَا بأي شيء نبتدئ من الكتب (2) .
وكون هذين الإمامين العابدين شغلا عن التكبير بالتفكير في العلم دليل على عظمة اهتمامها بالسنة النبوية .
ولقد كانوا يروون الحديث الواحد من عدة طرق فلا يكتفون بإسناد واحد , وقد كان هذا من أسباب ضبط السنة لأنه إذا أخطأ راو أو أكثر في بعض الحديث فيمكن تصحيحه من الطرق الأخرى , وفي بيان ذلك يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة لم نضبطه , فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد ؟!
(1) …تاريخ بغداد 10/327 . (2) سير أعلام النبلاء 11/193 .