وللرجل درجة القوامة والمسئولية عن الأسرة، ولها عليه حق الإنفاق والرعاية [1] , وهناك أحكام تتعلق بالميراث، جعل فيها للذكر مثل حظ الانثيين, والحكمة فيها واضحة، وهي مبنية على تفاوت الأعباء والتكاليف المالية بين الرجل والمرأة, وأحكام أخرى تتعلق بالشهادة في المعاملات المالية والمدنية، وقد جعلت شهادة المرأتين فيها كشهادة الرجل، وهي أيضًا مبنية على اعتبارات واقعية وعملية روعي فيها الإستيثاق في البينات، احتياطًا لحقوق الناس وحرماتهم، لذلك وجد من الأحكام ما تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، كما في الولادة والرضاع [2] .
وعامة الحياة العامة تحكمها بين الرجل والنساء الرابطة الإيمانية في إطار الأمة, أي: أن المساواة هي الأصل بين الاثنين في إطار الإخوة في الله التي عبر عنها الحديث الشريف: «النساء شقائق الرجال» [3] , وتتمثل المساواة بين الرجال والنساء في المساواة في القيمة الإنسانية، والمساواة في الحقوق الاجتماعية, والمساواة في المسئولية والجزاء، وهي المساواة التي تتأسس في جوانبها المختلفة على الأصل, ووحدة المال, والحساب يوم القيامة [4] .
وإذا كانت الشريعة قد خصت المرأة ببعض الأحكام التي سبق الإشارة إليها، كإعفائها من الأعباء الاقتصادية للأسرة، أو اختلاف نصيبها في الميراث، فإن هذه تبقى استثناءات ترد على القاعدة التي هي المساواة، والتي عبر عنها ابن حزم في قوله:"لما كان رسول الله مبعوثًا إلى الرجال والنساء بعثًا مستويًا، وكان خطاب الله وخطاب نبيه - صلى الله عليه وسلم - للرجال والنساء خطابًا واحدًا لم يجز أن يخص بشيء من ذلك الرجال دون النساء إلا بنص جلي أو إجماع؛ لأن ذلك تخصيص للظاهر, وهذا غير جائز [5] ".
والمرأة كما قلنا من قبل إنسان كالرجل هو منها, وهي منه، والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكر ويعمل، وإلا لم يكن إنسانًا، والله ـ تعالى ـ إنما خلق الناس؛ ليعلموا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فالمرأة مكلفة بالعمل كالرجل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة على عملها الحسن في الآخرة, ومكافأة عليه في الدنيا أيضًا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [6]
على أن عمل المرأة الأول, والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، هو تربية الأجيال، الذي هيأها الله له بدنيًّا، ونفسيًّا، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإن أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية، ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:
(1) فتاوى معاصرة، د. يوسف القرضاوي 2/ 372، 373.
(2) شريعة الإسلام خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان، د. يوسف القرضاوي ص 47، 48.
(3) سبق تخريجه ص 589.
(4) الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة، البهي الخولي، ص 23، 37.
(5) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم مجلد 1/ ج3، ص 352.
(6) سورة النحل الآية97.