فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 457

قوله: (ولا يتعين لفظه، بل يجوز بالمعنى) أي: لا يتعين لفظ الحديث، بل يجوز للراوي أن يرويه بالمعنى، وهذا في غير المتعبد بلفظه، كالأذان، والإقامة والتشهد، وتكبير الصلاة، ونحوها، فهذه لا يجوز نقلها بالمعنى، ولا ريب أن أفضل أحوال الرواية وأكملها أن يرويه باللفظ الذي سمع، لكن هل تجوز الرواية بالمعنى؟ قولان:

قوله: (لعالم بمقتضيات الألفاظ عند الجمهور...) هذا القول الأول ، وهو الجواز، وشرطه: أن يكون الراوي عالمًا بمقتضيات الألفاظ، يعرف الفرق بينها من جهة الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، ويعرف الألفاظ المترادفة، فيبدل قوله: (سَجْلًا من ماء) بقوله: (ذَنُوبًا من ماء) أو (دلوًا مَلاْئَ) ونحو ذلك.

وحجة الجمهور: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمعون الأحاديث ولا يكتبونها، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة، وهذا قد لا تنضبط فيه العبارة نفسها، ولأن أحاديث كثيرة وقعت بعبارات مختلفة، وذلك مع اتحاد القصة، وهو دليل على جواز النقل بالمعنى؛ ولأنه غير متعبد بلفظه، والمقصود منه المعنى [ (345) ] .

قوله: (ومنع منه بعض المحدثين مطلقًا) هذا القول الثاني ، وهو: المنع من الرواية بالمعنى مطلقًا أي: سواء كان عالمًا بمقتضيات الألفاظ أم لا، وهو قول ابن سيرين، وعلي بن المديني، والقاسم بن محمد، والقاضي عياض، وجزم القاضي أبو بكر بن العربي بأنه إنَّما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، لما هم عليه من الفصاحة والبلاغة، إذ جبلَّتُهم عربية، ولغتهم سليقة؛ ولأنهم شاهدوا قول النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله... [ (346) ] .

وحجتهم: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «نضّر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلّغه كما سمعه، فَرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع» [ (347) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت