فهرس الكتاب
قوله: (أو ظاهر آخر) هذا النوع الثاني . ومثاله قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] فهذا ظاهر في تحريم جلدها مطلقًا؛ لأن عموم لفظ (الميتة) يتناول جميع أجزائها ومنها الجلد، ويحتمل عدم دخول الجلد؛ لأن إضافة التحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلدُ غيرُ مأكول.
ثم نظرنا في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» [ (404) ] ، وفي لفظ: «أيما إهاب دبغ» [ (405) ] ، فإذا هو عموم، وظاهر في أن الإهاب يطهر بالدبغ، فكان هذا الظاهر دليلًا على أن الجلد لا يتناوله التحريم المذكور في الآية.
ومما يؤيد ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم في شاة ميمونة: «هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إنَّما حَرُمَ أكلها» [ (406) ] . فهذا نص في طهارة جلد الميتة بالدبغ.
قوله: (أو قياس راجح) أي: أو يكون الدليل قياسًا راجحًا، وهذا هو النوع الثالث . ومثاله: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} فهذا ظاهر في شمول العبد وأنه يجلد مائة، ولكن دل قوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] على تنصيف الحد على الأمة، والعلة الرق، فيقاس العبد على الأمة، ويكون هذا القياس صارفًا للفظ عن العموم إلى كونه في خصوص الحر، اعتمادًا على القياس على الأمة المنصوص عليها.
قوله: (سمي تأويلًا) أي: إن تأييد المعنى المرجوح بدليل يصيّره راجحًا يسمى تأويلًا، فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحًا، كما تقدم في الأمثلة.