فهرس الكتاب
قوله: (وقد يكون في الظاهر قرائن يدفع الاحتمال مجموعها دون آحادها) أي: إن الظاهر والاحتمال المرجوح إذا تقابلا فقد يحتفّ بالظاهر قرائن تدفع ذلك الاحتمال، وهو لا يندفع إلا بها لا بآحادها، ومثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيُّما امرأة نَكَحَتْ نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» [ (407) ] .
فحمله الحنفية القائلون بعدم اشتراط الولي في النكاح على الصغيرة، فقيل لهم: ليست بامرأة في لسان العرب، فحملوه على الأمة؛ لأنها مملوكة لسيدها، فلا يجوز أن تتصرف في نفسها بغير إذنه. فقيل لهم: «فلها المهر» ومهر الأمة لسيدها، فحملوه على المكاتبة، فقيل لهم: هذا حمل باطل من وجوه:
1 ـ أنه صدَّره بلفظة (أي) وهي من ألفاظ الشرط التي لا خلاف في إفادتها العموم.
2 ـ أنه أكدها بـ (ما) في قوله: «أيما امرأة» وهي من مؤكدات العموم.
3 ـ أنه رتب بطلان النكاح على هذا الشرط. وليس هناك عموم أبلغ من هذا العموم.
4 ـ أن المكاتبة نادرة، وليس من كلام العرب إرادة النادر بلفظ يدل على العموم.
قوله: (والاحتمال قد يبعد فيحتاج إلى دليل في غاية القوة لدفعه، وقد يقرب فيكفي أدنى دليل، وقد يتوسط فيجب المتوسط) أي: إن الاحتمال المرجوح المقابل للراجح الظاهر، قد يكون بعيدًا عن الإرادة، وقد يكون قريبًا، وقد يكون متوسطًا.
فالاحتمال البعيد يحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي لتجبر قوةُ الدليلِ ضعفَ الاحتمال بسبب بعده. ومثاله: تأويل الحنفية حديث: «أيما امرأة نكحت نفسها...» على الصغيرة والأمة والمكاتبة، وتقدم وجه بُعْدِ هذا التأويل.